المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : رب رمضان هو رب سائر العام


محمد مصطفي
2007-09-08, 11:51 AM
الليل والنهار خزانتان فانظروا ماذا تضعون فيهما.
ليلٌ يسلمنا إلى نهار، ونهار يسلمنا إلى ليل، وأعوام تمرُّ، وصفحات تطوى، وآجال تقترب.

ومجيء رمضان ومضيه يصيب المرء دائمًا بالحيرة، ويجعله يتعجب من سرعة مرور الأيام والليالي، فبالأمس كنا نستقبله ونحشد أنفسنا لقدومه، واليوم نودِّعه ونعزِّي أنفسنا برحيله.وأن يأتي عليك رمضان، فتلك نعمة من الله تعالى، فمن أدى شكر هذه النعمة بطاعة الله، صيامًا وقيامًا وقربات مختلفة، فقد ربح. ولا شك أنه مبتهج بما قدَّم، ويسأل الله القبول، وإن أصابه الأسى على رحيل الشهر.
وأمَّا من كانت بضاعته التسويف والتفريط- بئست البضاعة- فقد ضيَّع هذه النعمة، وهو مسكين لا يشعر بقيمة ما فقد.
وفي الحديث: "رغم أنف عبد دخل عليه رمضان ولم يغفر له".
فالله- سبحانه وتعالى- امتنَّ علينا في رمضان بمنن كثيرة، ألم يصفِّد لنا الشياطين؟ ألم يفتح لنا أبواب الجنة ويغلق أبواب النار؟ ألم يضاعف لنا الثواب؟ ألم يستجب للدعاء؟ ألم يعتق في كل ليلة من ليالي رمضان عتقاء من النار؟، ألم يجعل فيه ليلة هي خير من ألف شهر؟، ألم يسن لنا فيه صلاة التراويح؟
مِننٌ تساعد على الانطلاق والطاعة، ومن قصَّر فلا يلومنَّ إلا نفسه، فللطائعين وغيرهم، نقول: إن ربَّ رمضان هو رب سائر العام، فإن أطعته في رمضان ثم عصيته بعده، فهذه عارٌ عليك، فالله تعالى لم يأمر بطاعته شهرًا فقط في العام. إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض {التوبة: 36}.
بل أمر بلزوم طاعته في كل الأزمنة والأمكنة وجميع الأحوال. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين {الأنعام: 162}.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". {صحيح الجامع}.
والله تعالى يحب أن يطاع ويكره أن يُعصى، فكن حيث أمرك وانته عمَّا نهاك.
ولا تبع سنوات عمرك بالبخس، فتغبن نفسك وتوبقها، وفي الحديث: "اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". {شرح السنة وهو في صحيح الجامع بنحوه}
ولك في النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فكان إذا فرغ من عبادة سارع إلى غيرها ممتثلاً أمر ربه تعالى: فإذا فرغت فانصب {الشرح: 7}.
فعلينا أن نسارع إلى الله عز وجل، من أول يوم من أيام شوال، كما كنّا في رمضان وأكثر، كالتالي:
أولاً: الاستغفار والتوبة من الذنوب والمعاصي:

فالذنوب سبب بوار الدنيا، وهي تُورث الذل والهوان، عن ابن جبير، عن أبيه قال: لما فُتحت قبرص مر بالسبي على أبي الدرداء فبكى، فقلت: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: يا جبير، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله فلقوا ما ترى، ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه. {سير الأعلام}.
ولا تظن أنك ناج من الذنوب، فلا عصمة إلا لنبي، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
يقول ابن واسع: لو كان للذنوب ريح ما جلس إليَّ أحد.
ولا تستصغر ذنبًا، قال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله.
وفي الحديث: يا عائشة، "إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله عز وجل طالبًا". {أحمد وغيره}.
فلنسارع بدفع هذه الذنوب بالتوبة النصوح، والاستغفار، والأعمال الصالحة، والصبر على المصائب الدنيوية، والدعاء.

ثانيًا: المسارعة إلى الخيرات:

كن عجولاً في الطاعة بطيئًا في المعصية، فِرْ إلى الله تعالى بصنوف الطاعات، وعش طاعة الوقت، وبادر إليها، كما قال الشاعر:
ليس في كل حالة وأوانِ
تتهيأ صنائعُ الإحسانِ
فإذا أمكنت فبادر إليها
حذرًا من تعذُّرِ الإمكان

فصم الستة من شوال، متتابعة أو متفرقة، والأفضل التتابع، وفي الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر". {مسلم وغيره}.

فصيام شعبان قبل رمضان، وشوال بعده، كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، وأكثر الناس يكون في صيامه للفرض خلل ونقص فيحتاج إلى ما يجبره.
وصيام الست بعد رمضان علامة من علامات قبول صيام رمضان، فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد وفقه لطاعة بعده، وصيام رمضان نعمة عظمى من الله، فهي تحتاج إلى الشكر، والشكر يكون من جنس ما أديته فريضة عليك، وصيام الست دليل على محبة الصيام ورمضان ومحبة تكاليف الله تعالى.

ثم لماذا تحرم نفسك من الأجر، وقد علمت فضل الصوم وأنه لا مثل له، وأن صيام اليوم الواحد يباعد بينك وبين النار سبعين خريفًا.

وبعد الست من شوال اجعل لك نصيبًا من صيام: الاثنين والخميس، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ويقول: "إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين والخميس". {صحيح أبي داود}، فإن لم تستطع فثلاثة أيام من كل شهر.
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "صم من كل شهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر".{متفق عليه}
واجعلها في أيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، كما حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر: يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. {صحيح ابن ماجه}.

ثالثًا: ديمومة العمل:
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته وداوم عليه، وسُئلت عائشة هل كان النبي يخص يومًا من الأيام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمًا. {البخاري}
فلم يكن يقوم الليل في رمضان فقط- وإن خصَّ العشر الأواخر بقيامها كلها- بل كان يقوم الليل طوال العام.
وفي الحديث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. {متفق عليه}

وكان إذا ترك القيام بوجع أو غيره، قضاه من النهار، كما بالحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.
{مسلم}

وحث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل". {مسلم}
وذمَّ النبي صلى الله عليه وسلم تارك قيام الليل بعد قيامه، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل.
{متفق عليه}
وقال عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الرؤيا التي رآها: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً. {البخاري}
وقيام الليل شرف المؤمن كما بالحديث، فعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس.{السلسلة الصحيحة}

وكذلك القرآن لما لا تحافظ على تلاوته بورد يومي طوال العام، فوالله لهو الخير كله، بركته تحلُّ عليك في الدنيا والآخرة، تكتسب منه حسنات مضاعفة يومية، ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم : من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف وميم حرف. {صحيح سنن الترمذي}.
والقرآن يجعلك طيب المظهر والمخبر، ففي الحديث: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة(1) ريحها طيب وطعمها طيب. {متفق عليه}.

والقرآن كلام الله، فهل تهجر كلامه وأنت تدعي محبته؟!

فعليك بمداومة ما كنت عليه في رمضان، ولك في السلف قدوة، وانظر إلى جارية ماذا فعلت مع من بيعت لهم؟، فقد باع قوم من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان، رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان!
وباع الحسن بن صالح جارية له، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار، الصلاة، الصلاة، قالوا: طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟ ثم جاءت إلى الحسن، فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة، ردني، ردني.
لله درها من امرأة بألف رجل من أشباه الرجال.

رابعًا: مراقبة النفس ومحاسبتها:

ما أحوجنا أن نراقب أنفسنا في السر والعلن، ونحاسبها على التقصير والتفريط، ولنعلم أن الله يراقبنا ولا تخفى عنه خافية: وهو معكم أين ما كنتم {الحديد: 4}، فالله تعالى معنا بعلمه، وهو مستوٍ على عرشه بائن من خلقه. إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء {آل عمران: 5}.

وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس أن يراقب ربه تعالى في كل عمله، ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف. {صحيح الترمذي}.

واعلم أن الله تعالى يغار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرَّم الله عليه". {متفق عليه}.
والعاقل هو من حاسب نفسه أولاً بأول، وفي الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الكيِّسُ(2) من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله". {رواه الترمذي}.
والحديث وإن كان فيه ضعف إلا أن أصول الشريعة ومقاصدها تشهد له.
قال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه.

ويقول حاتم الأصم: تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت، فاذكر سمع الله منك، وإذا سكت، فاذكر علم الله فيك.
ويقول موسى بن إسماعيل التبوذكي: لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا لصدقت، كان مشغولاً: إما أن يحدث، أو يقرأ، أو يسبح، أو يصلي، قد قسم النهار على ذلك. {سير أعلام النبلاء}.

خاتمة:

ربُّ رمضان هو رب سائر العام، وبئس القوم عبدوا الله شهرًا، ثم عصوه باقي العام، أو أهملوا طاعته، تركوا المباحات في رمضان ثم عادوا للمحرمات بعده، فشمِّر يا أخي عن ساعد الجد، وغادر شهوة التفلت، وأقبل على الله يقبل عليك، وأحبه يحببك، واصدقه يصْدقك.وفي الحديث: وما زال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه.
واعلم أن راحة المؤمن في طاعة ربه، وأن عمله لا ينقضي حتى يأتيه أجله.
قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين {الحجر: 99}.



اسالكم بالله تعالي دعوة صادقة بقضاء ديني وسعة رزقي وركفيل بالأجابة