{ أبو أحمد }
2007-09-30, 06:00 PM
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام
المتقين، المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين.
أما بعد: فإن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بأكمل الأديان وأقومها بمصالح العباد وأنفعها
لهم في المعاش والمعاد، كما قال سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة]، وقال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9].
ومن ثم ختم الله به الأديان، وجعله صالحًا لكل زمان ومكان، ومصلحًا لشئون الناس
الدينية والدنيوية المجتمعية والفردية.
وكانت الأركان التي بني عليها الدين الإسلامي متنوعة التكليف، فمنها الأعمال
البدنية المحضة، ومنها الأعمال المالية المحضة، ومنها الأعمال الجامعة بين
البدنية والمالية، ومنها ما يكون المطلوب فيها فعلاً، ومنها ما يكون المطلوب
فيها كفًا عن محبوب، نوعت هذا التنويع ليشمل الدين جميع أنواع العمل والتكليف
فيتم فيه التعبد لله تعالى من كل وجه، وتهذيب النفوس وتعويدها على طاعة الله من
كل ناحية.
وكان من دعائم الإسلام وأركانه صيام شهر رمضان كما في الصحيحين من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا
الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
هذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم: «وصيام رمضان والحج»، فقال رجل: والحج وصيام
رمضان، قال ابن عمر: لا، صيام رمضان، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما خص الله
الصوم بشهر رمضان في هذه الملة، لأنه الشهر الذي نزل فيه القرآن، الذي هو أعظم
كتاب سماوي نزل لهداية البشر، وإصلاح دينهم ودنياهم، وسيرهم إلى ربهم،
ومعاملتهم فيما بينهم، وهو الكتاب الذي لا يصلح الخلق إلا التمسك به.
لقد أكرم الله هذه الأمة بالقرآن الذي فيه نبأ ما قبلها، وخبر ما بعدها، وحكم
ما بينها، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى
في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو
الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به ألسنة الضعفاء، ولا يشبع منه العلماء،
لا يُخْلَقُ عن كثرة الرد، ولا تنتهي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر،
ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.
وقد وصفه الله عز وجل بأوصاف عظيمة منها أنه هدى للمتقين: الـم (1) ذَلِكَ
الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وهو هدى للناس: شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ
مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، كما وصفه الله عز وجل بأنه روح تحيا به القلوب،
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، وهو الذي يهدي
للطريق المستقيم ويحمل البشارات العظيمة: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، وهو الفرقان
والنذير: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، كما وصفه الله عز وجل بأنه شفاء وهدى ورحمة: يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ورتب الله عز وجل الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن تعلم القرآن وعلمه، وجعلهم
خيرة هذه الأمة، قال صلى الله عليه وسلم : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». [رواه البخاري].
وقال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر
أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي
وقال: حديث صحيح. وقد تسابق المتسابقون لهذا الفضل العظيم والأجر الجزيل وتطلعت
النفوس إلى قراءته وحفظه وتطبيق أحكامه والعبرة بما فيه من قصص ومواعظ، فترك
العلماء قراءة الحديث وتعليم العلم في رمضان وأقبلوا على المصحف وكان منهم من
يختم كل ثلاث ليال مرة، وبعضهم كل ليلتين مرة، وآخرون لهم في كل ليلة ختمة،
والسنة أن يختم القرآن في كل شهر مرة. [رواه البخاري من حديث عبد الله بن
عمرو].
وهذا القرآن سهلٌ قراءته، سريعٌ حفظه، ميسرٌ فهمه، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، وتأمل في حال الصغار
وكيف يسره عليهم قراءة وتلاوة وحفظًا.
قال ابن القيم: هجر القرآن أنواع: هجر سماعه والإيمان به، وهجر العمل به، وهجر
تدبره، وهجر الاستشفاء به في أمراض القلوب والأبدان، وهذا داخل في قوله تعالى:
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطلوب في القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن
لم يكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين.
ومن أحسن صُحبة القرآن وتلاوته وتدبر معانيه وتطبيق أحكامه فإن القرآن يصحبه
حتى يقوده إلى الجنة في درجاتها العليا، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال
لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية
تقرؤها». رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع (8122).
وإذا أردت - أخي القارئ - الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق
سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى:
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم.
وقال الحسن البصري - في نصيحة غالية-: يا ابن آدم، والله إن قرأت القرآن ثم
آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا
بكاؤك.
أما حال المنافقين والكسالى فإن حالهم كما قال أوس ابن عبد الله: «نقل الحجارة
أهون على المنافقين من قراءة القرآن».
فاحرص أخي المسلم - على الاستفادة من أوقاتك، والزم نفسك الجد والمثابرة، ولو
رتبت لنفسك قراءة جزأين أو ثلاثة بعد كل صلاة لحصلت خيرًا عظيمًا، وإذا كانت
قراءتك في المسجد فإن لك نصيبًا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : «المسجد بيت كل تقي، وتكفل
الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله في
الجنة». رواه الطبراني وصححه الألباني في الترغيب والترهيب.
ولا تقتصر همتك على ذلك، بل احرص أن تكون ذا همة عالية وممن يختم القرآن في كل
ثلاث ليالٍ، فإن هذه أيام فاضلة كان السلف يغتنمونها، وليكن لك قراءة في بيتك
وطريقك، واحذر مصاحبة البطالين فارغي العقول والأوقات.
وقد أوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ
القرآن في طريقه، ومتى تجمعتم تحدثتم.
وعلى كل من استرعاه الله رعية أن يحثهم على قراءة القرآن ويشجعهم على حفظه
ويجعل لهم الجوائز القيمة والعطايا السنية ليفوز بالأجر العظيم ليكون له مثل
أجورهم، فالدال على الخير كفاعله، ولتكن بيوتنا مثل بيوت سلف هذه الأمة لا تسمع
فيها إلا أصوات القرآن.
آداب القارئ
يجب عليه أن يخلص في قراءته ويريد بها وجه الله تعالى دون شيء آخر من تصنع
لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة أو نحو ذلك، وأن لا يقصد بها توصلاً
إلى غرض من أغراض الدنيا من مال أو رياسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو
ثناء عند الناس أو صرف وجوههم إليه ونحو ذلك.
وأن يراعي الأدب مع القرآن فيستحضر في ذهنه أنه يناجي ربه ويقرأ كتابه فيتلوه
على حالة من يرى الله تعالى، فإن لم يكن يراه، فإن الله سبحانه وتعالى يراه،
وذلك بأن يقدر كأنه واقف بين يدي الله تعالى، وهو ناظر إليه ومستمع منه، ويستحب
له إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالخلال ثم السواك أو نحوه، وأن يجلس عند
القراءة مستقبل القبلة مستويًا متخشعًا، ذا سكينة ووقار مطرقًا رأسه غير مسترفع
ولا على هيئة التكبر.
ويُسن أن يقرأ على ترتيب المصحف، وتستحب القراءة بالترتيل وتحسين الصوت بشرط
ألا تخرج عن حدود الواجب شرعًا من إخراج كل حرف من مخرجه موفى حقه ومستحقه.
ويستحب أن يكثر من البكاء عند القراءة والتباكي لمن لا يقدر عليه والحزن
والخشوع وطريقة تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء، ووجه
إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل
في امثتال أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضره حزن وبكاءٌ كما
يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد ذلك منه فإنه من أعظم المصائب.
ويُسن أن يتعاهد القرآن ويكثر من قراءته ما أمكن في كل وقت بلا استثناء.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب
همومنا وغمومنا وسائقنا ودليلنا إلى جناتك، جنات النعيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المتقين، المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين.
أما بعد: فإن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بأكمل الأديان وأقومها بمصالح العباد وأنفعها
لهم في المعاش والمعاد، كما قال سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة]، وقال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9].
ومن ثم ختم الله به الأديان، وجعله صالحًا لكل زمان ومكان، ومصلحًا لشئون الناس
الدينية والدنيوية المجتمعية والفردية.
وكانت الأركان التي بني عليها الدين الإسلامي متنوعة التكليف، فمنها الأعمال
البدنية المحضة، ومنها الأعمال المالية المحضة، ومنها الأعمال الجامعة بين
البدنية والمالية، ومنها ما يكون المطلوب فيها فعلاً، ومنها ما يكون المطلوب
فيها كفًا عن محبوب، نوعت هذا التنويع ليشمل الدين جميع أنواع العمل والتكليف
فيتم فيه التعبد لله تعالى من كل وجه، وتهذيب النفوس وتعويدها على طاعة الله من
كل ناحية.
وكان من دعائم الإسلام وأركانه صيام شهر رمضان كما في الصحيحين من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا
الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
هذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم: «وصيام رمضان والحج»، فقال رجل: والحج وصيام
رمضان، قال ابن عمر: لا، صيام رمضان، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما خص الله
الصوم بشهر رمضان في هذه الملة، لأنه الشهر الذي نزل فيه القرآن، الذي هو أعظم
كتاب سماوي نزل لهداية البشر، وإصلاح دينهم ودنياهم، وسيرهم إلى ربهم،
ومعاملتهم فيما بينهم، وهو الكتاب الذي لا يصلح الخلق إلا التمسك به.
لقد أكرم الله هذه الأمة بالقرآن الذي فيه نبأ ما قبلها، وخبر ما بعدها، وحكم
ما بينها، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى
في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو
الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به ألسنة الضعفاء، ولا يشبع منه العلماء،
لا يُخْلَقُ عن كثرة الرد، ولا تنتهي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر،
ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.
وقد وصفه الله عز وجل بأوصاف عظيمة منها أنه هدى للمتقين: الـم (1) ذَلِكَ
الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وهو هدى للناس: شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ
مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، كما وصفه الله عز وجل بأنه روح تحيا به القلوب،
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، وهو الذي يهدي
للطريق المستقيم ويحمل البشارات العظيمة: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، وهو الفرقان
والنذير: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، كما وصفه الله عز وجل بأنه شفاء وهدى ورحمة: يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ورتب الله عز وجل الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن تعلم القرآن وعلمه، وجعلهم
خيرة هذه الأمة، قال صلى الله عليه وسلم : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». [رواه البخاري].
وقال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر
أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي
وقال: حديث صحيح. وقد تسابق المتسابقون لهذا الفضل العظيم والأجر الجزيل وتطلعت
النفوس إلى قراءته وحفظه وتطبيق أحكامه والعبرة بما فيه من قصص ومواعظ، فترك
العلماء قراءة الحديث وتعليم العلم في رمضان وأقبلوا على المصحف وكان منهم من
يختم كل ثلاث ليال مرة، وبعضهم كل ليلتين مرة، وآخرون لهم في كل ليلة ختمة،
والسنة أن يختم القرآن في كل شهر مرة. [رواه البخاري من حديث عبد الله بن
عمرو].
وهذا القرآن سهلٌ قراءته، سريعٌ حفظه، ميسرٌ فهمه، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، وتأمل في حال الصغار
وكيف يسره عليهم قراءة وتلاوة وحفظًا.
قال ابن القيم: هجر القرآن أنواع: هجر سماعه والإيمان به، وهجر العمل به، وهجر
تدبره، وهجر الاستشفاء به في أمراض القلوب والأبدان، وهذا داخل في قوله تعالى:
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطلوب في القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن
لم يكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين.
ومن أحسن صُحبة القرآن وتلاوته وتدبر معانيه وتطبيق أحكامه فإن القرآن يصحبه
حتى يقوده إلى الجنة في درجاتها العليا، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال
لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية
تقرؤها». رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع (8122).
وإذا أردت - أخي القارئ - الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق
سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى:
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم.
وقال الحسن البصري - في نصيحة غالية-: يا ابن آدم، والله إن قرأت القرآن ثم
آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا
بكاؤك.
أما حال المنافقين والكسالى فإن حالهم كما قال أوس ابن عبد الله: «نقل الحجارة
أهون على المنافقين من قراءة القرآن».
فاحرص أخي المسلم - على الاستفادة من أوقاتك، والزم نفسك الجد والمثابرة، ولو
رتبت لنفسك قراءة جزأين أو ثلاثة بعد كل صلاة لحصلت خيرًا عظيمًا، وإذا كانت
قراءتك في المسجد فإن لك نصيبًا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : «المسجد بيت كل تقي، وتكفل
الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله في
الجنة». رواه الطبراني وصححه الألباني في الترغيب والترهيب.
ولا تقتصر همتك على ذلك، بل احرص أن تكون ذا همة عالية وممن يختم القرآن في كل
ثلاث ليالٍ، فإن هذه أيام فاضلة كان السلف يغتنمونها، وليكن لك قراءة في بيتك
وطريقك، واحذر مصاحبة البطالين فارغي العقول والأوقات.
وقد أوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ
القرآن في طريقه، ومتى تجمعتم تحدثتم.
وعلى كل من استرعاه الله رعية أن يحثهم على قراءة القرآن ويشجعهم على حفظه
ويجعل لهم الجوائز القيمة والعطايا السنية ليفوز بالأجر العظيم ليكون له مثل
أجورهم، فالدال على الخير كفاعله، ولتكن بيوتنا مثل بيوت سلف هذه الأمة لا تسمع
فيها إلا أصوات القرآن.
آداب القارئ
يجب عليه أن يخلص في قراءته ويريد بها وجه الله تعالى دون شيء آخر من تصنع
لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة أو نحو ذلك، وأن لا يقصد بها توصلاً
إلى غرض من أغراض الدنيا من مال أو رياسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو
ثناء عند الناس أو صرف وجوههم إليه ونحو ذلك.
وأن يراعي الأدب مع القرآن فيستحضر في ذهنه أنه يناجي ربه ويقرأ كتابه فيتلوه
على حالة من يرى الله تعالى، فإن لم يكن يراه، فإن الله سبحانه وتعالى يراه،
وذلك بأن يقدر كأنه واقف بين يدي الله تعالى، وهو ناظر إليه ومستمع منه، ويستحب
له إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالخلال ثم السواك أو نحوه، وأن يجلس عند
القراءة مستقبل القبلة مستويًا متخشعًا، ذا سكينة ووقار مطرقًا رأسه غير مسترفع
ولا على هيئة التكبر.
ويُسن أن يقرأ على ترتيب المصحف، وتستحب القراءة بالترتيل وتحسين الصوت بشرط
ألا تخرج عن حدود الواجب شرعًا من إخراج كل حرف من مخرجه موفى حقه ومستحقه.
ويستحب أن يكثر من البكاء عند القراءة والتباكي لمن لا يقدر عليه والحزن
والخشوع وطريقة تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء، ووجه
إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل
في امثتال أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضره حزن وبكاءٌ كما
يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد ذلك منه فإنه من أعظم المصائب.
ويُسن أن يتعاهد القرآن ويكثر من قراءته ما أمكن في كل وقت بلا استثناء.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب
همومنا وغمومنا وسائقنا ودليلنا إلى جناتك، جنات النعيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.