المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : وقفات مع أيات الحج في سورة البقرة


محمد مصطفي
2007-11-21, 10:26 PM
ذكر الله عز وجل مواقيت الحج في قوله : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) ومعناه أن أشهر الحج أشهر معلومات من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، واستمر ذلك حتى اقر في شريعة خاتم النبيين محمد (ص) . وهى تبدأ من أولا ليلة من شوال باتفاق العلماء وتنتهي بأخر يوم من ذى الحجة كما هو المتبادر من ظاهر الآية لأن اقل الجمع ثلاثة. أو تنتهي بفجر يوم النحر لأنه لا يصح الإحرام بالحج بعده ولأن " الحج عرفه" كما قال (ص) في حديثه . وقد مضي الوقوف بها بطلوع الفجر. أو ينتهي في يوم العاشر من ذى الحجة لوقوع طواف الإفاضة به غالباً وهو من أركان الحج أو تنتهي بأخر أيام التشريق لوقوع الطواف ورمى الجمار بهذه الأيام. هذه أقوال أئمة الفقهاء\، وظاهر الآية يؤيد الأول منها كما أن هذه الآية تعتبر تفصيلاً وبيناً لقوله تعالى : _(يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )وجاءت السنة العملية مبينة لهذه الآية ومقيدة لها ببعض الشهور بالنسبة للحج فليست أشهر العام كلها مواقيت للحج ، وقد جعل الله الحج مواقيت زمنية وبين العلماء هذه المواقيت فلا يصح الإحرام بالحج قبل هذه المواقيت ، كما لا يصح الإحرام به بعدها كما لا تصح صلاة الفريضة قبل وقتها المشروع لها ، وبهذا قال جماعة من العلماء. وقال الشافعي يصح الإحرام به قبله لكنه ينعقد عمرة. وقال جمهور العلماء ينعقد حجاً لأن الله قال : (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) غير أنه لا يكون كاملاً لمخالفته للسنة.وأياماً كان فإنه ينبغي للمسلم أن يتحرى الصواب في عبادته لربه وأن يؤديها على وجه الكمال إبراء لذمته واحتياطاً لدينه ثم حذر سبحانه حجاج بيته الحرام من الآفات التى تحبط أعمالهم فقال سبحانه : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) فمن أحرم بالحج وعقد عليه نيته فيجب عليه أن يصون لسانه لئلا يجلب عليه ما يفسد عليه حجة من الرفث ، والفسوق ، والجدال في الحج.

أما الرفث فهو الجماع ودواعيه ومنه الكلام حول الجماع ووسائله. ولهذا حرم رسول الله (ص) أن يعقد المحرم نكاحاً لنفسه أو لغيره فلا يتولى عقداً لنفسه ولا لغيره فهو – يعنى الحاج – يضبط شهوة فرجه طيلة أدائه للمناسك حتى تتجمع دواعى قلبه وهمته ووجدانه على هذه العبادة وتتشبع بها روحه ويجد لذتها.

وأما الفسوق فهي جميع المعاصي التى تخرج الإنسان عن حظيرة الروح ونقاوة النفس ومكارم الأخلاق إلي غير ذلك مما حرم الله جل وعلا على المسلمين عامة وعلى حجاج بيته خاصة.

وأما الجدال في الحج فهي كلمة جامعة فيدخل فيه تحريم الجدال في وقت الحج بعد أن قضي الله على نسي الجاهلية وتغيرها مواقع الشهور ، فقال النبي (ص) : " أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " فعاد بذلك الحج إلي ميقاته. ويدخل فه تحريم الجدال فى موقف الحج بعد ان قال الله ذلك فى قوله (ص) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ) وقد أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله والوقوف انما يكون بعرفة والمزدلفة يوم التاسع من ذي الحجة ولسلة العاشر ثم المبيت بالمزدلفة ويدخل فيه ايضا تحريم الجدال فى سائر أحكام الحج وموافقة وذلك إذا جاوز الحد فى الجدل والخصومة آما ما كان من الرغبة فى معرفة الصواب والوصول الى الحق فى رعاية الأدب وحقوق الاخوة فهو من الجدال بالتى هى احسن وقد أباحه الله تعالى فى قوله : ()ِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن) ولم يخص حال دون حال ومثل هذا النوع من الجدال للوصل للحق مع النية الحسنة ومراعاة الأدب وحفظ حقوق الاخوة مذل هذا الجدال واجب او مندوب .

وكما ان للأشجار والثمار آفات تقضى عليها وتعوق نموها على الصورة المطلوبة وتخيب أمال الزراع فلا يحصدون ولا يحصلون منها على الثمرة المرجوة منوراء زراعتها فيورثهم ذلك حسرة وندامى على ما فرطوا فى صياغتها ورعايتها ومقاومة افاتها ولات ساعة مندم .

فكذلك على حجاج بيت الله الحرام ان يصونوا حجهم وسائر أعمالهم عما يشوبا ويتنقص اجرها من الرفث والفسوق والجدال بالباطل حتى يرجعوا من حجهم الى أهليهم كيوم ولدتهم أمهاتهم سعيهم شكور وذنبهم مغفور قد رض الله عنهم ورضوا عنه قال صلى الله عليه وسلم " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجة كيوم ولدته آمة " وبعد ان حذر الله عز وجل حجاج بيته عن غشيان القبيح قولا أو فعلا حثهم على لتحلى بالجميل فقال () وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) فاخبرهم جل شانه انه ما من عمل من أعمال الخير يكسبونه آلا وقد احاط به علما وسيجزيهم عليه جزاء رب كريم لعبد خشع له قلبه واسلم له وجهه .

وقد كان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم يحجون بغير زاد ويقولون نحن المتوكلون فامرهم الله عز وجل ان يتزودوا لحجهم لمافى لك من صيانة ماء الوجه وكف النفس عن المسألة مع عدم تعارض ذلك مع التوكل على الله وبين لهم ان حاجتهم الىالتزود للدار الآخرة اعظم من حاجتهم للتزود لسفر الدنيا وان الزاد الذى يصحب الىالاخرة هو التقوى ، وان هذا الزاد التقوى – افضل أنواع الزاد لانه خير وابقى ولانه يجلب للعبد السعادة الأبدية لذا قال الله : () وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب)وقد حض الله بهذا الخطاب أولى الألباب لرجاحة عقولهم وصفاء قلوبهم وارواحهم من دواعي الأهواء ونزوات الشهوات التى تستهوى نفوسهم وتنكد أعمالهم وتميل بهم عن الجادة وعن الطريق المستقيم .

وقد تحرجت طائفة أخرى من الصحابة من التجارة وكسب المال فى موسم الحج واعتقدوا انهم بذلك يشابهون آهل الجاهلية وخشوا ان يؤثر هذا على حجهم او ينقص آجرهم فأنزل الله عز وجل ()لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ).

روى البخاري فى صحيحة عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال :كانت عكاظ ومجنة وذى المجاز أسواق فى الجاهلية فتأثموا ان يتجروا فى الموسم فنزلت : ()لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) فى موسم الحج أباح الله فى هذه الآية للمحرم والحاج البيع الشراء وسائر أنواع الكسب الحلال .

وحث الله سبحانه وتعالى فى الآية السابقة على التزود بخير الزادين زاد الدنيا وزاد الاخرة فضلا منه ورحمة وحثهم ان يجعلوه أمامهم فى سعيهم وكسبهم والتوكل على الله والركون اليه وحده لا اله الا هو لا مانع لما اعطى ولا معطى لما منع ولا معقب لحكمه ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير

4- الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة

قال الله تعالى () فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

أفضتم من عرفات – دفعتم مسرعين فى السير منها الى المزدلفة المشعر الحرام – المزدلفة كلها ، سمين بذلك لأنها داخل الحرم .

ويطلق المشعر الحرام ايضا على جبل موجود بالمزدلفة .

من حيث افاض الناس : المراد إبراهيم الخليل او أمام المسلمين او العرب ما عدا قريشا .

ثبت ان قريشا غيرت العمل فى مواقف الحج عما كان عليه الامر فى شريعة إبراهيم عليه السلام فمن ذلك انهم كانوا يقفون بالمزدلفة دون عرفات ويقولون نحن أهل الله فى بلده وقطان بيته الحرام وكان سائر العرب آمر الله جل شانه حجاج بيته الحرام ان يقفوا بعرفات ثم يدفعوا منها الى المزدلفة ليذكروا الله فيها عند المشعر الحرام .

روى البخاري فى صحيحه من طريق عائشة رضى الله عنها انها قالت : كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وسائر الناس يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام آمر الله نبيه ان يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله : (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) .

وفى ذلك أبطال لما كان من تغيير أهل الجاهلية وتبديلهم للمناسك وقضاء على تلاعبهم بها وافتياتههم على شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبيان من الله لعباده ان العبادات توفيقية وان الاعتماد فى اصل العمل بها ةفىى صفتها على الوحي من الله لا على آراء الناس وما تهواه نفوسهم قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) .

وفى هاتين الآيتين إثبات لاصل الوقوف بعرفة والنزول بالمزدلفة والكر بها وبيان لترتيب الوقوف بهما لكن فهما إجمال بالنسبة لزمن كل منهما وتقديره وبيان صفته وهذا هو الشأن فى القرآن ينزل الله فيه أصول الأحكام فى الإيمان والعبادات والمعاملات كقوله () وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).

وقوله : () وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ) وقوله : ()إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ).

وقوله : ()وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) وقوله : () وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا).

أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بإبلاغ والبيان قال تعالى : () وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله زمنها وما يفعل فيها من نسك وعبادة وشرح المناسك ف خطبته فى حجة الوداع وقال لاصحابة : " خذوا عنى مناسككم " وذلك انه صلى الله عليه وسلم مكث بمبنى بعد ان صلى بها فجر اليوم التاسع حتى طلعت الشمس أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش آلا انه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية فاجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى آتى عرفه فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس آمر بالقصواء فرحلت له فآتى بطن الوادي فخطب الناس وقال : " ان دماءكم واموالكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا فى شهركم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا آلا كل شيء من آمر الجاهلية تحت قدمي موضوع " وذكر نصائح ووصايا كثيرة ثم اذن المؤذن ثم اقام فصلى الظهر بالناس ركعتين ثم اقام فصلى العصر ركعتين فقصرهما وجمع بينهما جمع تقديم ولم يصل بينهما شيئا من النافلة ثم ركب صلى الله عليه وسلم حتى آتى الموقف فوقف عند الصخرة الى جانب الجبل المعروف اليوم بجبل الرحمة ولم يصعة الجبل ولم يصل نافلة بعرفة ولم يصم يومها وقال : " وقفت هنا وعرفة كلها موقف " ثم استقبل القبلة واخذ يذكر الله تلبية وتسبيحا وتحميدا وتهليلا وتكبيرا ولم يزل على ذلك حتى غربت الشمس ولم يصل بها المغرب بل افاض الى المزدلفة واخذ بزمام راحلته فإذا وجد متسعا فى الطريق أسرع وآلا كفها عن السرعة رحمه ب\بالمسلمين وكان يشير بيده السمنى قائلا : " آيها الناس السكينة السكينة " نزل بالطريق فتوضأ وضوءا خفيفا وقيل له : الصلاة يا يا رسول الله فقال " الصلاة أمامك " واستمر فى سيرة حتى آتى بالمزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بآذان واحد واقامة لكلك منهما وقصر العشاء وجمع بينها وبين المغرب جمع تأخير ولم يصل بينهما نافلة ثم اضجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر فى اول الوقت بآذان واقامة ثم ركب ناقته حتى آتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ودعا الله وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ثم دفع قبل ان تطلع الشمس حتى آتى بطن محسر فاسرع حتى جاوزه ثم تابع السير حتى آتى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصصيات بعد طلوع الشمس يكبر مع كل حصاة .

هذا بيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا لما ينبغة ان يكوةن عليه الحجاج فى عرفات وفى الافاضة منها ثم فى المزدلفة وفى الافاضة منها الى منى وقد اتفق العماء على ان الوقوف بعرفة ركن من اركان الحج ولا يصح حج من تركه عمدا او نسيانا او خطأ لحديث الحج عرفي واختلفوا فى اقل ما يجزئ من الوقوف بها .

فذهب الجمهور الى انه يجزئ الوقوف بها ساعة ما بين ليل او نهار بعد الزوال من يوم عرفة وذهب طائفة من الفقهاء الى انه يجزئ الوقوف بها ساعة من نهار عرفة او من ليلة- وهو الظاهر – لحديث عروة بن مضرس الطائي قال : قلت : يا رسوب الله آتيتك من جبلي طئ اكللت مطيتى واتعبت نفسي والله ما بقى من جبل آلا وقفت عليه فهل لي من حد فقال رسول الله صلى الله عله وسلم : " من صلى الغداة ههنا ثم اقام معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا او نهارا فقد تم حجة " .

ورأت طائفة انه لا يجزئ آلا وقوف جزء من ليلة النحر واتفقوا على ان من باب بالمزدلفة ليلة النحر وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام ووقف بعد صلاة الصبح مع الإمام الى الأسفار بعج الوقوف بعرفة فجدة تام واختلفوا فى المبيت والوقوف بعج الفجر بعد صلاة الصبح : هل هو من سنن الحج او واجباته او فرائض ومهما يكن من الخف بين الفقهاء فيما يتعلق بعرفة ومزدلفة فانه ينبغي لحاج وقد اتعب نفسه ويذل ماله وترك وطنه واهله وعمله للحج ان يؤدى حجة على الصفة التى كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فى حجة تحقيقا لمعنى الاقتداء به عملا بقوله : " خذوا عن مناسككم " واحتياطا لصحة هذه العبادة التى هى ركن من أركان الإسلام فيجمع فى الوقوف بعرفة بين جزء من ليلة النحر وجزء من نهار عرفة بعد الزوال وليبيت بمزدلفة وليصل بها المغرب والعشاء والصبح آلا إذا كان من جنس الضعفة الذين رخص لهم الرسول صلى الله عليه وسلم فىالافاضة منها الى منى بعد منتصف الليل ولا ينبغى ان يتساهل فى عبادته ويتتبع الرخص فيها وخاصة نسك الحج انه قد لا يتيسر له آلا مرة واحدة فى العمر ولا يليق ان يرجع بحج مشوة قد انتقض من أطرافه بترك سننه او واجباته طلبا للراحة باتباع السهل من أقوال العلماء دون نظر الى الأدلة الشرعية بل عليه ان يحرص على الكمال ما استطاع الى ذلك سبيلا ليكون حجة مبرورا فيغفر الله له ويرجع من حجة كيوم ولدته آمة وقد طهره الله من الذنوب والآثام .

ثم بين الله سبحان وتعالى اختلاف أحوال الناس وتباين مقاصدهم وان سعيهم شتى فمنهم من الدنيا اكبر همه ومبلغ علمه وغاية رغبته فهو لا يعمل آلا لها حتى انه يبتغيها بعمل الآخرة ولا يلهج لسانه بدعاء ربه آلا لطلب متعها فهذا وافيه الله حظة فى الدنيا وسيلاقى سوء حسابة فى الاخرة لانحراف نيته وسوء قصده وليس له فى الاخرة من حرث ولا نصيب وذلك هو الخسران المبين قال تعالى : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .

ومنهم من حسن قصده فاسلم وجهه لله وهو محسن فاستقامت جوارحه وعمل الأعمال الصالحة وسأل الله ان يؤتيه فى الدنيا حسنة من عافية ورزق واسع نافع وعمل صالح ولسان ثدق فى الآخرين ليكون ذلك غنى لنفسه وعصمة لها من الذل ووسيلة الى السعادة يوم لا ينفع المرء آلا ما قدمت يداه كما يضرع الى ربه ان يكرمه فى الاخرة فيثبته عند المسألة وييسر حسابه ويؤمنه من أهوال يوم القيامة يوم الفزع الأكبر وينجيه من النار وان يدخله الجنة مع الأبرار ( أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) .

فيا حجاج بيت الله الحرام تذكروا وقوفكم أمام الله فى اليوم الآخر واجعلوا كل همتكم ونيتكم السعادة الأبدية يوم لقاء الله ولا تؤثروا الحياة الدنيا على الاخرة ولا تنسوا تصيبكم من الدنيا وقولوا ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الاخرة حسنة وقنا عذاب النار يكتب الله لكم الفوز المبين ويدخلكم جنات النعيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

للشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي

أم معاذ
2007-11-23, 04:51 PM
جزاكم الله خيرا .

و نفعنا الله و اياكم و سائر المسلمين بالتفكر في آيات هذه الشعائر العظيمة التي تعتبر عزا و فخرا لهذه الأمة في مشهد لا مثيل له عبر التاريخ.