المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : الرومانسي،،،


عاشق الحرمين
2007-02-12, 10:56 AM
كنا قد تشاجرنا هذا الصباح ، على أمر سخيف .
أعترف أني كنت البادئ بالاستفزاز .

قلت لها : - لماذا لا أسمع منك كلمة حالمة ، شيئا من تلك الرومانسيات ، التي تملأ حياة بعض الناس ، فتجعلها وردا وقوس قزح ..؟

صوبت نحوي نظرة باهتة ،

ثم قالت بسرعة : - "الشاهي ناقصة حلا" .

قلت ، وقد بدأت وتيرة صوتي تعلو : - "حياتنا كلها ناقصها حلا" .

أخذت ترتب أطباق الطعام أمامي ، دون أن تتكلم ، فبلغ الغيظ مني أقصاه ، فأهويت بقبضة يدى على معصمها ، وأطبقت عليها بشدة وأنا أهزها ،

والكلمات تنطلق كالضجيج من فمي : - لمـاذا لا تسمعيني كلمـة حـب واحدة ، لماذا تقتلين حياتي ومشاعري المتأججة ، بهذا البرود .. ؟ لماذا .. لماذا ..؟

وأنطلقت أعدد عليها ما تحتاجه صحراء قلبي المجدبة . حدثتها عن العطش ، عن الجوع ، عن أحلام قتلها الصقيع ... عن الحب ، يموت ظامئا .. جائعا .. تائها ، لا عينين يأوي إليهما . كانت يدى تطبق على يدها ، ولم أشعر أني قد آذيت معصمها في غمرة إنفعالي ، مما أراه سكونا بلـيدا ، مميتا ، في مشاعرها تجاهي .

لم أدرك ذلك ، إلا حينما رأيت وجهها ينطق بكل معاني الألم ، وهي تقول لي بصوت متهدج : "يدي .. يدي .. أرجوك ، لقد أوجعتني" .

أطلقت يدها ، وسيطر على شعور بالندم ، وأخذت أتأملها ، وهي تغالب الدمع ، وتمسح يدها بيدها الأخرى .

قلت في نفسي : - (كيف يؤذي من يطلب الحب) ؟ كان واضحا أن يدها تؤلمها ، إذ لم تستطع أن تستخدمها في إكمال إفطارها . ولاحظت أيضا ، أنها على وشك أن تبدأ معي معركة ، فقد كانت متوترة ، وملامحها توحي بالرغبة في الرد على إتهاماتي وعدواني . في دخيلة نفسي كنت أريد معركة من هذا النوع ، لأدينها ، ولأؤكد لها ، أنني (أنا) الإنسان المعطاء ، وهي تمثال من الشمع ، بلا مشاعر . سادت لحظة من الصمت ، خشيت خلالها أن تنطفئ جذوة انفعالها ،

فقلت مستفزا :

- يا ضيعة احلامي . أنت تتحسسين يدك ، ومرهم كفيل بأن يحل المشكلة ، أما أنا فكيف أداوي قلبي الذي تيبس من الجفاف ..؟ رمقتني بنظرة عميقة ، لم أعتدها منها ،

ثم قالت ، وقد أختفت كل معالم التوتر من وجهها : - هل تظن أني لو لم أكن أحبك ، سأبقى معك دقيقة واحدة ..؟

نزلت عبارتها كالصخرة على صدري : "إذن هي التي تقرر أن تبقى معي أولا تبقى ، وليس أنا . وبالتالي ، فمفهومها للحب هو الذي يحدد استمرار العلاقة بيننا" .. هكذا خاطبت نفسي . لماذا لا تفهم أنـي أنـا لي رؤيتي الخاصة ، في أن نبقى معا أو لا نبقى ؟ لماذا لا تدرك أني أنا أيضا بحاجة لأن أحبها ، لكي أبقى معها ؟ إذا كانت تحبني وفق تصورها الخاص ، لماذا لا تمنحني الحق في أن أحبها بالشكل الذي أريد كذلك ؟ ألست في النهاية سأحبها هي ، وليـس شخصـا آخـر ..؟

أليس مؤذيا أن تقول لإنسان : ساعدني كي أحبك ، فيكون الجواب : لا عليك أنا أحبك ؟ ها هو يوم جديد ، وجولة من الإحباط جديدة ، وفشل يتراكم . في الظهر ، أثناء رجوعنا إلى البيت من مقر عملها ، حيث تعمل معلمة في مدرسة في حي فقير ، رأيت على جانب الطريق إمراة تمشي ، مسرعة الخطا ، حافية القدمين . كان يوما لاهبا ، أشعر فيه أن السيارة تئز تحتي من شدة الحرارة . كان منظر المرأة ، وهي تسير حافية على القار ، الذي سال بعضه ، وتشقق البعض الآخر ، من هول الحرارة ، التي تصبها الشمس على الأرض ، يثير الألم .

إلتفتت إلى حيث كنت أنظر ، فأبصرت المرأة ، وقالت بأسى : - لحظة .. لحظة قف قليلا . حينما أوقفت السيارة ، فتحت الباب ونزلت باتجاه المرأة . مر بعض الوقت ، وأنا لا أدري لماذا نزلت ، ولا بماذا تتحدث مع المرأة ، وفجأة ، رأيتها تنزع حليها من يديها وتعطيها المرأة ، ثم أتجهت إلى السيارة ، وقالت لي : - معك نقود ؟ - كم تريدين .. قلت لها ؟ - الذي معك .. أجابت .

أخرجت من محفظتي الف وسبعمائه ريال ، هي كل ما معي ، وناولتها إياها ، فاتجهت إلى المرأة ووضعتها في يدها ، وتبادلتا بضع كلمات ، لم أسمعها ، وعادت إلى السيارة .

قبل أن تركب ، استدارت فجأة نحو المرأة ، وقالت : - خاله .. حين ألتفتت المرأة ، خلعت حذاءها ورمته تجاهها . لم يصرفها عن النظر إلى يدي المرأة البائسة ، اللتين رفعتهما إلى السماء ، بعدما وضعـت الحذاء في قدميها ، اللتين أكلهما القار الحار ، إلا لهيب الرمضاء الذي أحرق قدميها ، وجعلها تتقافز ، كحمامة حطت على صفيح ساخن . ركبت ، وخيم الصمت بيننا . هي ، أظن أنه قد ألجمها الموقف ، وصدمة التأثر ، لتعاسة هذه المرأة البائسة .

أما أنا فقد خجلت من نفسي : "أهذا الكيان الشامخ بلا مشاعر ؟ كم كنت ساذجا ، حينما كنت أغمس يدي في هذا المحيط ، ثم أعيدها متأففا انه بلا محار ... وبلا لؤلو" . حينما وصلنا إلى البيت ، أستأذنتها لحظة بعدم النزول ، ودخلت البيت وأحضرت لها حذاء ، ولم أتكلم ، ولم نحتج إلى الكلام مرة أخرى .



د.محمد الحضيف

عاشق الحرمين
2007-02-12, 10:56 AM
تعليقي:


بلا شك أن المقال رائع بكل ما في الكلمة من معنى كيف لا وهو بقلم الرجل الذي يقطر قلمه إبداعاً وتميزاً الدكتور محمد الحضيف حفظه الله ، والمقال يعكس حال كثير من الأزواج وكذلك كثير من الزوجات وإن كان قد تناول جانب الرجل فقط وذلك في قضية عدم اظهار المشاعر والبوح بها للطرف الآخر مما يخلق الظنون والأوهام في نفس الطرف الآخر بأن شريك حياته لا يعطيه تلك العواطف التي يحتاجها ، المقال يدعو في نظري الى احتمال العذر من كل زوج لزوجه في حال التقصير في ابداء المشاعر العاطفية واذا كره الزوج من زوجه خلقاً فليعجبه الخلق الآخر كما قال عليه الصلاة والسلام و قد يكون الخلق الآخر أرقى وأعلى ، والمقال في ذات الوقت لا يبرر كتمان المشاعر العاطفية من أي زوج اتجاه شريكه فهذه حاجة ضرورية في حياة أي زوجين واستمرار اظهار هذه المشاعرمتناسب مع استمرار السعادة في حياتهما في حين ان اختفائها قد يكون مؤذناً باختفاء تلك السعادة للأبد.

أبو_معاذ
2007-02-13, 02:07 AM
جزاك الله خيرا أخي عاشق الحرمين على النقل وعلى التعليق .

والموضوع جدير بأن يكون متميزا بجدارة..


أخي الغالي :

في رأيي أن تعبير الزوجين بعبارات الحب المتبادلة وما يكنه كل طرف للآخر ضروري للغاية حتى تستمر قاطرة الحياة الزوجية بسعادة وهناء وقبل أن أسرد الأسباب التي دفعتني لإختيار هذا الأمر أذكر حديث أنس بن مالك أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر به رجل فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أعلمته ) ؟ قال: لا. قال: (أعلمه ) قال فلحقه فقال: إني أحبك في الله . فقال: أحبك الذي أحببتني له. رواه أحمد 3/140 وأبو داود (5125) وصححه ابن حبان (571)


ولا يخفى عنك أخي الفاضل ما يعانيه المسلم في الشارع و العمل من فتن مما يجعل تبادل مشاعر الحب بين الزوجين وإخبار بعضهما البعض بذلك ضروري لسد أبواب الشيطان ...


جزاك الله أخي عاشق الحرمين ونرحب بموضوعك الأول بهذا القسم ونسأل الله يكون بداية لسيل من المواضيع المميزة بإذن الله وأن يستفيد منه الجميع .


بارك الله فيك

أحب الرســـول
2007-02-13, 12:06 PM
بارك الله فيك


على هذا النقل الرائع


وبالفعل الحياة الزوجية لابد فيها من إحياء المشاعر الجميلة


وإبداء تلك المشاعر للطرف الآخر


فكم يكون جميلا ً إبداء مشاعر الحب بين الزوجين وإنتقاء الأساليب الجيدة


في طرح تلك المشاعر


والأفكار في إبداء مشاعر الحب بين الزوجين عديده ومتنوعة


لو تأملناها لوجدنا انها بسيطة وبمتناول اليد


والحياة الزوجية كالنبتة سقائها الحب وموتها بالإهمال


وفقك الله عاشق لهذا النقل الرائع

ام عائشة
2007-02-20, 04:53 PM
السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته.
مقال في غاية الروعة و التميز.يحتاج لاكثر من وقفة.
ان الصمت في العلاقات الزوجية.يترك الطرفين امام اكثر من قراءة و تاويل للموقف.و المجالات المفتوحة دائما مرتع خصب لتدخل الشيطان بحلوله النيرة المعروفة..


ايقاع الحياة أصبح أقوى منا:ضغوطات في العمل..منكرات في الشوارع..صراع للدفاع عن الهوية..انين امة تذبح و تقتل على مراى و مسمع من الجميع..و القائمة اطول من ان تكتب.

تعود بكل هذا الكم من التناقضات الى بيتك..فتجد الصمت المطبق..حياة لانتردد في نعتها بالجحيم.

الواحد منا يحتاج لمن يعينه على نفسه و يقوي ايمانه و يوفر له ظلا يستريح في أحظانه من صخب الحياة.لذلك أرى أن المفتاح السحري لنجاح الحياة الزوجية أو فشلها،هو تبادل البوح و الثقة و حسن الظن..

مد جسورا للتواصل بينك و بين شريكك.افرشها بالرحمة و الود.لا تررد فإنك ستجني بالاضافة لسعادتك طاعة زوجك و ربك.

اللهم اجعل بيوت المسلمين سكنا ووفقنا لما فيه رضاك و فلاحنا.

بوركت اخي على هذا النقل المتميز.

أبو عمّار
2007-02-24, 02:41 PM
السلا عليكم و رحمة الله و بركاته
بوركت عاشق الحرمين، و لعل الاقتباس الذي جئت من بين أجمل ما قرأت في بحر الأدب، مشكور أخي
الموضوع الذي تفضلت به لا يختلف اثنان في بيان أهميته، فالبوح و اشهار الاعتراف بالحب ممّا يوطد العلاقة، لم أشأ التمثيل باستعارة لبيان دوره في العلاقة الزوجية لأن العلاقة أكبر و أعظم من أن تحجم و تختصر في تشبيه ما مهما بلغ من البيان و الفصاحة ما بلغ.. البوح و حده الكفيل برسم البسمة على محيا الزوجين و الوحيد الكفيل بالذهاب بكل الضغوطات أيا كانت،
اريد فقط أن أضيف أن للبوح أكثر من لغة غير صريح العبارة فالنظرة الدافئة بوح و اللمسة الحنون بوح و الهدية بوح آخر...فلا يخصنا - نحن الأزواج - سوى البوح و تنويعه لجعل البيت جنة و ما عداه جحيما...

مشكور أخي عاشق الحرمين أن ذكرتنا بهذا البوح....

أخوكم أبو عمار

عاشق الحرمين
2007-02-24, 07:14 PM
أخي أبامعاذ بارك الله فيك وشكر لك مرورك العطر وأحسنت فيما أضفته وفعلاً كلمة الحب لها عظيم الأثر على النفوس ولا أدل على ذلك من وصية النبي صلى الله عليه لذاك الرجل بأن يخبر من يحبه بهذا الحب ، ولكن للأسف أن هذه الكلمة فقدت معانيها في وقتنا الحاضر لأنها صارت كثيراً ما تخرج من الأفواه دون أن تلامس القلوب فصارت كالعادة التي فقد رونقها ولذتها حينما تكون عبادة .