{ أبو أحمد }
2005-12-25, 05:02 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه المقاله لفضيلة الشيخ الجليل / جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر سابقا رحمة الله عليه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لما كان الهدف الأسمى من العلاقة الزوجية هو التوالد حفظًا للنوع الإنساني، وكانت الصلة العضوية بين الزوجين ذات دوافع غريزية في جسد كل منهما. أضحى هذا التواصل والاختلاط هو الوسيلة الأساسية والوحيدة لإفضاء كل منهما بما استكن في جسده واعتمل في نفسه حتى تستقر النطفة في مكمن نشوئها كما أراد الله، وبالوسيلة التي خلقها في كل منهما، لا يعدل عنها إلا إذا دعت داعية، كأن يكون بواحد منهما ما يمنع حدوث الحمل بهذا الطريق الجسدي المعتاد مرضًا أو فطرة وخلقًا من الخالق سبحانه.
تلقيح الزوجة بذات مني زوجها
فإذا كان شيء من ذلك، وكان تلقيح الزوجة بذات مني زوجها دون شك في استبداله أو اختلاطه بمني غيره من إنسان أو مطلق حيوان جاز شرعًا إجراء هذا التلقيح، فإذا نبت ثبت النسب تخريجًا على ما قرره الفقهاء.
تلقيح الزوجة بمني رجل آخر غير زوجها
تلقيح الزوجة بمني رجل آخر غير زوجها سواءٌ كان الزوج ليس به مني أو كان به ولكنه غير صالح محرم شرعًا لما يترتب عليه من الاختلاط في الأنساب، بل ونسبة ولد إلى أب لم يخلق من مائه، وفوق هذا ففي هذه الطريقة من التلقيح إذا حدث بها الحمل معنى الزنا ونتائجه، والزنا محرم قطعًا بنصوص القرآن والسنة.
تلقيح بويضة امرأة بمني رجل ليس زوجها
ثم نقل هذه البويضة الملقحة إلى
رحم زوجة الرجل صاحب هذا المني
هذه الصورة كسابقتها تدخل في معنى الزنا، والولد الذي يتخلق ويولد من هذا الصنيع حرام بيقين، لالتقائه مع الزنا المباشر في اتجاه واحد، إذ أنه يؤدي مثله إلى اختلاط الأنساب، وذلك ما تمنعه الشريعة الإسلامية التي تحرص على سلامة أنساب بني الإنسان، والابتعاد بها عن الزنا وما في معناه ومؤداه.
ذلك لأنه وإن كان المني هو للزوج ولكنه كما هو معروف لا يتخلق إلا بإذن الله وحين التقائه ببويضة الزوجة حرثًا في هذه الحال لزوجها مع أن الله سمى الزوجة حرثًا له فقال: نساؤكم حرث لكم... {البقرة:223} فكل ما تحمل به المرأة لابد أن يكون نتيجة الصلة المشروعة بين الزوجين سواء باختلاط أعضاء التناسل فيهما كالمعتاد أو بطريق استدخال منيه إلي ذات رحمها ليتخلق وينشأ كما قال الله سبحانه .. يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث.. {الزمر:6}.
وإذ كانت البويضة في هذه الصورة ليست لزوجة صاحب المني وإنما لامرأة أخرى لم يكن نتاجها جزءًا من هذين الزوجين، بل من الزوج وامرأة محرمة عليه فلا حرث فعلا، أو اعتبارًا بين الزوجين ينبت به الولد فصارت هذه الصورة في معنى الزنا المحرم قطعًا كسابقتها.
أخذ بويضة الزوجة التي لا تحمل
وتلقيحها بمني زوجها خارج رحمها (أنابيب)
وبعد الإخصاب والتفاعل بينهما تعاد البويضة
الملقحة إلي رحم هذه الزوجة مرة أخرى
في هذه الصورة إذا ثبت قطعًا أن البويضة من الزوجة والمني من زوجها وتم تفاعلهما وإخصابهما خارج رحم هذه الزوجة (أنابيب) وأعيدت البويضة ملقحة إلى رحم تلك الزوجة دون استبدال أو خلط بمني إنسان آخر أو حيوان، وكان هناك ضرورة طبية داعية لهذا الإجراء كمرض بالزوجة يمنع الاتصال العضوي مع زوجها أو به هو قام المانع، ونصح طبيب حاذق مجرب بأن الزوجة لا تحمل بهذا الطريق، ولم تستبدل الأنبوبة التي تحضن فيها بويضة ومني الزوجين بعد تلقيحهما، كان الإجراء المسئول عنه في هذه الصورة جائزًا شرعًا، لأن الأولاد نعمة وزينة وعدم الحمل لعائق وإمكان علاجه أمر جائز شرعًا، بل قد يصير واجبًا في بعض المواطن. فقد جاء أعرابي فقال يا رسول الله أنتداوى.؟ قال: نعم. فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله. {رواه أحمد}
فهذه الصورة والصورة الأولى من باب التداوى مما يجعل الحمل والتداوي بغير المحرم جائزًا شرعًا، بل قد يكون التداوي واجبًا إذا ترتب عليه حفظ النفس أو علاج العقم في واحد من الزوجين.
هل يجوز أن تحل مكان "الأنابيب" حيوانات تصلح لاحتضان هذه البويضة، أي تحل محل رحم هذه الزوجة لحين أو لفترة معينة يعاد الجنين بعدها إلى رحم ذات الزوجة؟
إنه لما كان التلقيح على هذه الصورة بين بويضة الزوجة ونطفة زوجها يجمع بينهما في رحم أنثى غير الإنسان من الحيوانات، فإذا مرت هذه البويضة الملحقة بمراحل النمو التي قال عنها القرآن الكريم، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين *ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين {المؤمنون، الآيتان: 13، 14}، سيكتسب هذا المخلوق صفات هذه الأنثى التي اغتذى بدمها في رحمها وائتلف معها حتى صار جزءًا منها، فإذا تم خلقه وآن خروجه يدب على الأرض كان مخلوقًا آخر، ألا ترى حين ينزو الحمار على الفرس وتحمل، وهل تكون ثمرتهما لواحد منهما؟ إنه يكون خلقًا آخر صورة وطبيعة، هذا إن بقيت البويضة بأنثى غير الإنسان إلى حين فصالها، أما إن انتزعت بعد التخلق وانبعاث الحياة فيها وأعيدت إلى رحم الزوجة فلا مراء كذلك في أنها تكون قد اكتسبت الكثير من صفات أنثى الحيوان التي احتواها رحمها، ولا مرية في أن هذا المخلوق يخرج على غير طباع الإنسان، بل على غرار تلك التي احتضنه رحمها، لأن وراثة الصفات والطباع أمر ثابت بين السلالات حيوانية ونباتية، تنتقل مع الوليد وإلى الحفيد ذلك أمر قطع فيه العلم ومن قبله الإسلام: ألا يعلم من خلق {الملك: 14}، يدلنا على هذا نصائح الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته في اختيار الزوجة، فقد قال: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء". {السلسلة الصحيحة ح1067} وقال: "إياكم وخضراء الدمن - وهي المرأة الحسناء - في المنبت السوء". {ضعيف جدا السلسلة الضعيفة ح14} هذه التوجيهات النبوية تشير إلى علم الوراثة، وأن إرث الفضائل أو الرذائل ينتقل في السلالة، ولعل الحديث الشريف الأخير واضح الدلالة في هذا المعنى، لأن لفظ: "الدمن" تفسره معاجم اللغة بأنه ما تجمع وتجمد من الفرجين وهو روث الماشية، فكل ما نبت في هذا الروث وإن بدت خضرته ونضرته إلا أنه يكون سريع الفساد، وكذلك المرأة الحسناء في المنبت السوء تنطبع على ما طبعت عليه لحمتها وغذيت به، ولعل نظرة الإسلام إلى علم الوراثة تتضح جليًا من هذا الحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمضم بن قتادة إذ قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، قال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق.
{رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة}
وبهذا نرى أن تلك البويضة الملقحة التي نقلت إلى رحم أنثى غير الإنسان تأخذ منه ما لا فكاك لها منه إن قدرت لها الحياة والدبيب على الأرض، وبذلك إن تم فصاله ودرج هذا المخلوق على صورة الإنسان لا يكون إنسانًا بالطبع والواقع، ومن يفعل هذا يكون قد أفسد خلق الله في أرضه، ومن القواعد التي أصلها فقهاء الإسلام أخذًا من مقاصد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، يدل لهذا قول الله سبحانه: فاتقوا الله ما استطعتم {التغابن: 16}، وقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
وإذا كان في التلقيح بهذه الصورة مفسدة أي مفسدة فإنه يحرم فعله.
حكم الزوج الذي يتبنى طفلاً كان الحمل به بإحدى صور التلقيح المحرمة
إن الزوج الذي يتبنى أي طفل انفصل وكان الحمل به بإحدى الطرق المحرمة لا يكون ابنًا له شرعًا لأنه مشكوك في أبوته له، بل يكون مقطوعًا بنفيه حتى تكون النطفة من رجل آخر أو حيوان، وبهذا يكون أشد نكرًا من التبني بمعنى أن ينسب الإنسان إلى نفسه ولدًا يعرف قطعًا أنه ابن غيره، لأنه مع هذا المعنى قد التقى مع الزنى، والزوج الذي يقبل أن تحمل زوجته نطفة غيره سواء بالزنا الفعلي أو بما في معناه كهذا التلقيح رجل فقد كرامة الرجال، ومن ثم فقد سماه الإسلام ديوثًا، وهذا هو شان الرجل الذي يستبقي زوجة لقحت من غيره بواحدة من هذه الطرق المحرمة التي لا تقرها الشريعة، لأنها تبتغي في أحكامها كمال بنى الإنسان ونقاءهم، هذا والتبني على أي صورة قد حرمه القرآن في محكم آياته كما تقدم القول في ذلك.
حكم الطفل الخارج بإحدى طرق التلقيح المحرمة
كل طفل ناشئ بالطرق المحرمة قطعًا من التلقيح الصناعي حسبما تقدم بيانه لقيط لا ينسب إلى أب جبرًا، وإنما ينسب لمن حملت به ووضعته باعتباره حالة ولادة طبيعية كولد الزنى الفعلي تمامًا إذ ينسب لأمه فقط.
وهنا نضع أمام الأزواج حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية المتلاعنين: "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولم يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه- أي يعلم أنه ولده- احتجب الله عنه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين". {أبو داود 2263 وضعفه الألباني}
هذا قضاء الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم {النور: 63}.
حكم الطبيب الذي يجري عمليات التلقيح الصناعي
إن الإسلام أباح التداوي من العلل والأمراض، ففي الحديث الشريف الذي رواه ابن ماجه والترمذي وصححه عن أسامة بن شريك قال: قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: نعم. عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له داوءًً غير داء واحد. قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم. وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لكل داء دواء فإذا أصبت دواء الداء برئ بإذن الله تعالى".
لما كان ذلك: وكان التداوي بالمباح أمرًا جائزًا في الإسلام، بل قد يصير واجبًا حفظًا لنفس الإنسان من الهلاك، فإن الطبيب هو الوسيلة إلى التداوي بتشخيص الداء ووصف الدواء تبعًا لخبرته وتجربته وعلمه، ومن ثم كانت مسئوليته إذا قصر أو أهمل أو سلك طريقًا محرمًا في الإسلام، وإذا كان الطبيب هو الخبير الفني في إجراء التلقيح الصناعي أيًا كانت صورته تعين أن ينظر إلى كل صورة يجريها حتى يتحدد وضعه ومسئوليته شرعًا، فإن كانت الصورة مما تبين تحريمه قطعًا، كان الطبيب آثمًا وفعله محرمًا، لأن الإسلام إذا حرم شيئًا حرم الوسائل المفضية إليه حتى لا يكون ذريعة للتلبس بالمحرم، وعليه أن يقف عند الحد المباح، وهو منحصر في تلقيح بويضة زوجة بنطفة زوجها بإدخالها رحمها، أو باستنباتها بعد التلقيح في (أنبوبة) إلى حين ثم تستدخل في رحم ذات الزوجة، كما هو مبين فيما سبق.
وإذا تم ذلك كان العمل مشروعًا لا إثم فيه ولا حرج ولا حذر من اختلاط الأنساب أو وقوعه في دائرة الزنى، لأن التحقيق تام من أن المني والبويضة الملقحين للزوجين فقط لم يختلطا بمني إنسان آخر أو مني حيوان.
ومن هنا لا يجوز في نطاق الإسلام الانطلاق في عمل التلقيح الصناعي، بمعنى نقل مني الرجل أي رجل وتلقيحه ببويضة امرأة أي امرأة، لأن تلك تجارب تصلح لتحسن السلالات ومحلها بين أنواع مختلفة من الحيوان لا تعرف لها أبًا ومن النبات تسمق سيقانه حاملة وفير الثمرات وذلك أمر مشروع، ومن هنا كان القول الحكيم القديم: "اليتيم من ابن آدم من مات أبوه ومن الحيوان من ماتت أمه".
فإذا نحن انطلقنا في مجال التلقيح الصناعي في الإنسان وأنشأنا مستودعًا (بنكًا) تستجلب فيه نطف الرجال الأذكياء أو ذوي الأجسام الأقوياء لتلقح بها أنثى رشيقة القوام سريعة الفهم لإثراء الصفات في الجنس البشري كان هذا شرًا مستطيرًا على نظام الأسرة ونذير انتهاء الحياة الأسرية كما أرادها الله، فمن باب سد الذرائع، وحفظًا لروابط الأسرة وصونًا للأنساب يحرم الإسلام الانطلاق في التلقيح الصناعي لتوالد الإنسان ولا يجيزه- كما سبق- إلا بين الزوجين بالشروط المتقدم بيانها.
والحمد لله رب العالمين
هذه المقاله لفضيلة الشيخ الجليل / جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر سابقا رحمة الله عليه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لما كان الهدف الأسمى من العلاقة الزوجية هو التوالد حفظًا للنوع الإنساني، وكانت الصلة العضوية بين الزوجين ذات دوافع غريزية في جسد كل منهما. أضحى هذا التواصل والاختلاط هو الوسيلة الأساسية والوحيدة لإفضاء كل منهما بما استكن في جسده واعتمل في نفسه حتى تستقر النطفة في مكمن نشوئها كما أراد الله، وبالوسيلة التي خلقها في كل منهما، لا يعدل عنها إلا إذا دعت داعية، كأن يكون بواحد منهما ما يمنع حدوث الحمل بهذا الطريق الجسدي المعتاد مرضًا أو فطرة وخلقًا من الخالق سبحانه.
تلقيح الزوجة بذات مني زوجها
فإذا كان شيء من ذلك، وكان تلقيح الزوجة بذات مني زوجها دون شك في استبداله أو اختلاطه بمني غيره من إنسان أو مطلق حيوان جاز شرعًا إجراء هذا التلقيح، فإذا نبت ثبت النسب تخريجًا على ما قرره الفقهاء.
تلقيح الزوجة بمني رجل آخر غير زوجها
تلقيح الزوجة بمني رجل آخر غير زوجها سواءٌ كان الزوج ليس به مني أو كان به ولكنه غير صالح محرم شرعًا لما يترتب عليه من الاختلاط في الأنساب، بل ونسبة ولد إلى أب لم يخلق من مائه، وفوق هذا ففي هذه الطريقة من التلقيح إذا حدث بها الحمل معنى الزنا ونتائجه، والزنا محرم قطعًا بنصوص القرآن والسنة.
تلقيح بويضة امرأة بمني رجل ليس زوجها
ثم نقل هذه البويضة الملقحة إلى
رحم زوجة الرجل صاحب هذا المني
هذه الصورة كسابقتها تدخل في معنى الزنا، والولد الذي يتخلق ويولد من هذا الصنيع حرام بيقين، لالتقائه مع الزنا المباشر في اتجاه واحد، إذ أنه يؤدي مثله إلى اختلاط الأنساب، وذلك ما تمنعه الشريعة الإسلامية التي تحرص على سلامة أنساب بني الإنسان، والابتعاد بها عن الزنا وما في معناه ومؤداه.
ذلك لأنه وإن كان المني هو للزوج ولكنه كما هو معروف لا يتخلق إلا بإذن الله وحين التقائه ببويضة الزوجة حرثًا في هذه الحال لزوجها مع أن الله سمى الزوجة حرثًا له فقال: نساؤكم حرث لكم... {البقرة:223} فكل ما تحمل به المرأة لابد أن يكون نتيجة الصلة المشروعة بين الزوجين سواء باختلاط أعضاء التناسل فيهما كالمعتاد أو بطريق استدخال منيه إلي ذات رحمها ليتخلق وينشأ كما قال الله سبحانه .. يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث.. {الزمر:6}.
وإذ كانت البويضة في هذه الصورة ليست لزوجة صاحب المني وإنما لامرأة أخرى لم يكن نتاجها جزءًا من هذين الزوجين، بل من الزوج وامرأة محرمة عليه فلا حرث فعلا، أو اعتبارًا بين الزوجين ينبت به الولد فصارت هذه الصورة في معنى الزنا المحرم قطعًا كسابقتها.
أخذ بويضة الزوجة التي لا تحمل
وتلقيحها بمني زوجها خارج رحمها (أنابيب)
وبعد الإخصاب والتفاعل بينهما تعاد البويضة
الملقحة إلي رحم هذه الزوجة مرة أخرى
في هذه الصورة إذا ثبت قطعًا أن البويضة من الزوجة والمني من زوجها وتم تفاعلهما وإخصابهما خارج رحم هذه الزوجة (أنابيب) وأعيدت البويضة ملقحة إلى رحم تلك الزوجة دون استبدال أو خلط بمني إنسان آخر أو حيوان، وكان هناك ضرورة طبية داعية لهذا الإجراء كمرض بالزوجة يمنع الاتصال العضوي مع زوجها أو به هو قام المانع، ونصح طبيب حاذق مجرب بأن الزوجة لا تحمل بهذا الطريق، ولم تستبدل الأنبوبة التي تحضن فيها بويضة ومني الزوجين بعد تلقيحهما، كان الإجراء المسئول عنه في هذه الصورة جائزًا شرعًا، لأن الأولاد نعمة وزينة وعدم الحمل لعائق وإمكان علاجه أمر جائز شرعًا، بل قد يصير واجبًا في بعض المواطن. فقد جاء أعرابي فقال يا رسول الله أنتداوى.؟ قال: نعم. فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله. {رواه أحمد}
فهذه الصورة والصورة الأولى من باب التداوى مما يجعل الحمل والتداوي بغير المحرم جائزًا شرعًا، بل قد يكون التداوي واجبًا إذا ترتب عليه حفظ النفس أو علاج العقم في واحد من الزوجين.
هل يجوز أن تحل مكان "الأنابيب" حيوانات تصلح لاحتضان هذه البويضة، أي تحل محل رحم هذه الزوجة لحين أو لفترة معينة يعاد الجنين بعدها إلى رحم ذات الزوجة؟
إنه لما كان التلقيح على هذه الصورة بين بويضة الزوجة ونطفة زوجها يجمع بينهما في رحم أنثى غير الإنسان من الحيوانات، فإذا مرت هذه البويضة الملحقة بمراحل النمو التي قال عنها القرآن الكريم، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين *ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين {المؤمنون، الآيتان: 13، 14}، سيكتسب هذا المخلوق صفات هذه الأنثى التي اغتذى بدمها في رحمها وائتلف معها حتى صار جزءًا منها، فإذا تم خلقه وآن خروجه يدب على الأرض كان مخلوقًا آخر، ألا ترى حين ينزو الحمار على الفرس وتحمل، وهل تكون ثمرتهما لواحد منهما؟ إنه يكون خلقًا آخر صورة وطبيعة، هذا إن بقيت البويضة بأنثى غير الإنسان إلى حين فصالها، أما إن انتزعت بعد التخلق وانبعاث الحياة فيها وأعيدت إلى رحم الزوجة فلا مراء كذلك في أنها تكون قد اكتسبت الكثير من صفات أنثى الحيوان التي احتواها رحمها، ولا مرية في أن هذا المخلوق يخرج على غير طباع الإنسان، بل على غرار تلك التي احتضنه رحمها، لأن وراثة الصفات والطباع أمر ثابت بين السلالات حيوانية ونباتية، تنتقل مع الوليد وإلى الحفيد ذلك أمر قطع فيه العلم ومن قبله الإسلام: ألا يعلم من خلق {الملك: 14}، يدلنا على هذا نصائح الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته في اختيار الزوجة، فقد قال: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء". {السلسلة الصحيحة ح1067} وقال: "إياكم وخضراء الدمن - وهي المرأة الحسناء - في المنبت السوء". {ضعيف جدا السلسلة الضعيفة ح14} هذه التوجيهات النبوية تشير إلى علم الوراثة، وأن إرث الفضائل أو الرذائل ينتقل في السلالة، ولعل الحديث الشريف الأخير واضح الدلالة في هذا المعنى، لأن لفظ: "الدمن" تفسره معاجم اللغة بأنه ما تجمع وتجمد من الفرجين وهو روث الماشية، فكل ما نبت في هذا الروث وإن بدت خضرته ونضرته إلا أنه يكون سريع الفساد، وكذلك المرأة الحسناء في المنبت السوء تنطبع على ما طبعت عليه لحمتها وغذيت به، ولعل نظرة الإسلام إلى علم الوراثة تتضح جليًا من هذا الحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمضم بن قتادة إذ قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، قال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق.
{رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة}
وبهذا نرى أن تلك البويضة الملقحة التي نقلت إلى رحم أنثى غير الإنسان تأخذ منه ما لا فكاك لها منه إن قدرت لها الحياة والدبيب على الأرض، وبذلك إن تم فصاله ودرج هذا المخلوق على صورة الإنسان لا يكون إنسانًا بالطبع والواقع، ومن يفعل هذا يكون قد أفسد خلق الله في أرضه، ومن القواعد التي أصلها فقهاء الإسلام أخذًا من مقاصد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، يدل لهذا قول الله سبحانه: فاتقوا الله ما استطعتم {التغابن: 16}، وقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
وإذا كان في التلقيح بهذه الصورة مفسدة أي مفسدة فإنه يحرم فعله.
حكم الزوج الذي يتبنى طفلاً كان الحمل به بإحدى صور التلقيح المحرمة
إن الزوج الذي يتبنى أي طفل انفصل وكان الحمل به بإحدى الطرق المحرمة لا يكون ابنًا له شرعًا لأنه مشكوك في أبوته له، بل يكون مقطوعًا بنفيه حتى تكون النطفة من رجل آخر أو حيوان، وبهذا يكون أشد نكرًا من التبني بمعنى أن ينسب الإنسان إلى نفسه ولدًا يعرف قطعًا أنه ابن غيره، لأنه مع هذا المعنى قد التقى مع الزنى، والزوج الذي يقبل أن تحمل زوجته نطفة غيره سواء بالزنا الفعلي أو بما في معناه كهذا التلقيح رجل فقد كرامة الرجال، ومن ثم فقد سماه الإسلام ديوثًا، وهذا هو شان الرجل الذي يستبقي زوجة لقحت من غيره بواحدة من هذه الطرق المحرمة التي لا تقرها الشريعة، لأنها تبتغي في أحكامها كمال بنى الإنسان ونقاءهم، هذا والتبني على أي صورة قد حرمه القرآن في محكم آياته كما تقدم القول في ذلك.
حكم الطفل الخارج بإحدى طرق التلقيح المحرمة
كل طفل ناشئ بالطرق المحرمة قطعًا من التلقيح الصناعي حسبما تقدم بيانه لقيط لا ينسب إلى أب جبرًا، وإنما ينسب لمن حملت به ووضعته باعتباره حالة ولادة طبيعية كولد الزنى الفعلي تمامًا إذ ينسب لأمه فقط.
وهنا نضع أمام الأزواج حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية المتلاعنين: "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولم يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه- أي يعلم أنه ولده- احتجب الله عنه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين". {أبو داود 2263 وضعفه الألباني}
هذا قضاء الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم {النور: 63}.
حكم الطبيب الذي يجري عمليات التلقيح الصناعي
إن الإسلام أباح التداوي من العلل والأمراض، ففي الحديث الشريف الذي رواه ابن ماجه والترمذي وصححه عن أسامة بن شريك قال: قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: نعم. عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له داوءًً غير داء واحد. قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم. وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لكل داء دواء فإذا أصبت دواء الداء برئ بإذن الله تعالى".
لما كان ذلك: وكان التداوي بالمباح أمرًا جائزًا في الإسلام، بل قد يصير واجبًا حفظًا لنفس الإنسان من الهلاك، فإن الطبيب هو الوسيلة إلى التداوي بتشخيص الداء ووصف الدواء تبعًا لخبرته وتجربته وعلمه، ومن ثم كانت مسئوليته إذا قصر أو أهمل أو سلك طريقًا محرمًا في الإسلام، وإذا كان الطبيب هو الخبير الفني في إجراء التلقيح الصناعي أيًا كانت صورته تعين أن ينظر إلى كل صورة يجريها حتى يتحدد وضعه ومسئوليته شرعًا، فإن كانت الصورة مما تبين تحريمه قطعًا، كان الطبيب آثمًا وفعله محرمًا، لأن الإسلام إذا حرم شيئًا حرم الوسائل المفضية إليه حتى لا يكون ذريعة للتلبس بالمحرم، وعليه أن يقف عند الحد المباح، وهو منحصر في تلقيح بويضة زوجة بنطفة زوجها بإدخالها رحمها، أو باستنباتها بعد التلقيح في (أنبوبة) إلى حين ثم تستدخل في رحم ذات الزوجة، كما هو مبين فيما سبق.
وإذا تم ذلك كان العمل مشروعًا لا إثم فيه ولا حرج ولا حذر من اختلاط الأنساب أو وقوعه في دائرة الزنى، لأن التحقيق تام من أن المني والبويضة الملقحين للزوجين فقط لم يختلطا بمني إنسان آخر أو مني حيوان.
ومن هنا لا يجوز في نطاق الإسلام الانطلاق في عمل التلقيح الصناعي، بمعنى نقل مني الرجل أي رجل وتلقيحه ببويضة امرأة أي امرأة، لأن تلك تجارب تصلح لتحسن السلالات ومحلها بين أنواع مختلفة من الحيوان لا تعرف لها أبًا ومن النبات تسمق سيقانه حاملة وفير الثمرات وذلك أمر مشروع، ومن هنا كان القول الحكيم القديم: "اليتيم من ابن آدم من مات أبوه ومن الحيوان من ماتت أمه".
فإذا نحن انطلقنا في مجال التلقيح الصناعي في الإنسان وأنشأنا مستودعًا (بنكًا) تستجلب فيه نطف الرجال الأذكياء أو ذوي الأجسام الأقوياء لتلقح بها أنثى رشيقة القوام سريعة الفهم لإثراء الصفات في الجنس البشري كان هذا شرًا مستطيرًا على نظام الأسرة ونذير انتهاء الحياة الأسرية كما أرادها الله، فمن باب سد الذرائع، وحفظًا لروابط الأسرة وصونًا للأنساب يحرم الإسلام الانطلاق في التلقيح الصناعي لتوالد الإنسان ولا يجيزه- كما سبق- إلا بين الزوجين بالشروط المتقدم بيانها.
والحمد لله رب العالمين