المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : وقفة مع النفس في موسم الطاعات


{ أبو أحمد }
2005-12-26, 06:15 PM
إعداد الشيخ الفاضل / جمال سعد حاتم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله أما بعد:
تتوالى مواسم الطاعات وتنجلي، بالأمس القريب ودعنا شهر رمضان، وها نحن نستقبل موسمًا آخر من مواسم الطاعات، فمن قصر في أيامه الخالية فعليه أن يستدرك ما فات، وأن يغتنم عمره قبل الممات، وأن يتوب إلى الله من العصيان، وأن يكون على ما يحبّ الرحمن فيما يستقبل من الزمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه". {صحيح مسلم} فكم من مستقبل يومًا لم يكمله، وكم من مؤمل لم يدرك أمله، والأجل لا يأتي إلا بغتةً، لا يفرق بين صغير وكبير، ولا ذكر وأنثى قال تعالى: وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين *ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون {المنافقون:10-11}.
إن عالم اليوم يعيش محطات تاريخية فاصلة، تأتي أمة الإسلام في قلبها وبؤرتها، إن العالم من حولنا يعيش متغيرات وتقلبات تحتّم على الأمة أن تتوقف لتحاسب نفسها وتراجع مسيرتها، فالأمة مدعوّة وبقوّة للمراجعة والنظر مليًّا في ماضيها القريب، فأمة الإسلام محاصرةٌ من قبل أعدائها في الداخل وفي الخارج مما يستدعي وقفة عميقة وجادة لتنظر ماذا تصنع وكيف تتدبر، وكيف تقاوض، في نفس الوقت الذي يجب فيه على الأمة أن تراجع علاقاتها مع شعوبها وحكوماتها وقياداتها وأنظمتها.


مدرسة الحج عبر وفوائد!!


ومع توالى مواسم الخير ونحن على أبواب موسم الحج، وأفئدة المسلمين إلى بيت الله الحرام حيث يستعد الحجيج للتوجه إلى الأراضي المطهرة، وقلوبهم وأبصارهم تتطلع إلى أرض الله الحرام، إلى البيت المعمور، يتجهون إليه كل يوم في صلاتهم، فول وجهك شطر المسجد الحرام {البقرة:144} وأنظارهم تتطلع لبقاع مباركة تتجدد فيها العبر والعظات، قال سبحانه: فيه آيات بينات {آل عمران:97}، الأمن والأمان في ربوعه بأمان من الله قال جل وعلا: ومن دخله كان آمنا {آل عمران:97} نفعه متعدِّ للحاضر والباد، ليشهدوا منافع لهم {الحج:28}، الأرزاق إليه دارة، والنعم حوله متوالية قال جل وعلا: أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون {القصص:57}.
وحج بيت الله الحرام بابٌ رحبٌ لحط الأوزار والآثام يقول عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص عند إسلامه: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؛ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟!. {رواه مسلم}

ففيه غسل أدران الخطايا والرزايا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". {متفق عليه صحيح البخاري ومسلم} ثوابه جنات النعيم يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". {رواه مسلم}
ومع اقتراب موسم من مواسم الطاعات واستعداد الحجيج للسفر إلى بيت الله الحرام لتأدية فريضة فرضها الله على القادر من عباده، فإن في الحج منافع وعبر وفوائد، فالتجرد من المخيط تُذكِرُ بلباس الأكفان بعد الرحيل.
وفيه إرشاد إلى التواضع ونبذ الكبرياء، الجمع كله إزار ورداء، والرأس خاضع للدّيان، هيأته الخضوع والاستكانة للرحمن، وإخلاص العمل لله وإفراده بالعبادة شعار الحجّ وبه افتتاح النُسُك "لبيك اللهم لبيك" فيها إعلان التوحيد ونبذ الشرك: "لبيك لا شريك لك لبيك" فيها تذكيرٌ بإسداء النِّعِمَ والثناء على المُنعِم: "إن الحمد والنعمة لك". ومن لبّى في بلد الله الحرام كان إلى التزام نداء الله بعد حجّه واستجابته لأوامره بعد أداء نُسُكِه أقرب.
ومع اقتراب موسم الحج ففي رؤية بيت الله المعمور مشهدٌ لإخلاص الأعمال لله. الخليل وابنُه يرفعان أشرف معمور ومع هذا يسألان الله قبول العمل وعدم رده وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم {البقرة:127}.
وللطواف وقع على القلوب ومهابةٌ في النفوس في بساط بيت الله الآمن، فلا موطن على الأرض يُتَقرَّب فيه إلى الله بالطواف سوى الكعبة المشرَّفة.
وفي تقبيل الحجر الأسود حسن الانقياد لشرع الله وإن لم تظهر الحكمة، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه "والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضرَّ، ولولا أني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". {البخاري ومسلم}.
ومع اقتراب موسم الحج ففي مناسكه درسٌ في التقيُّد بالسنَّة وحسن الاتباع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خذو عني مناسككم". {أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه} فعلى المسلم اتباع المصطفى في كل قربة واقتفاء أثره في كل طاعةٍ، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا {الحشر:7}.
ومع اقتراب موسم الحج ففيه يوم عرفة يومٌ أغرّ، ملتقى المسلمين المشهود، يوم رجاء وخشوع وذُلِّ وخضوع، يوم كريم على المسلمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه".
وأفضل الدعاء دعاء ذلك اليوم يقول ابن عبد البر في التمهيد 6-41: "دعاء يوم عرفة مجاب كلُّه في الأغلب" والإكثار فيه من كلمة التقوى مع مفهوم مدلولها ومعانيها خيرُ الكلام، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". {رواه الترمذي في سننه}. يوم يكثر فيه عتقاء الرحمن ويباهي بهم ملائكته المقرَّبين، يقول صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة...". {صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها}. قال ابن عبد البر: "وهذا يدلّ على أنهم مغفور لهم، لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران". {التمهيد:1-120} فكُن مُخْبِتًا لله في ذلك اليوم، متواضعًا خاضعًا لجنابه، منكسرًا بين يديه، طامعًا في كرمه، راغبًا في وعده، راهبًا من وعيده.
إن اجتماع الناس في عرفة تذكير بالموقف الأكبر يوم الحشر لفصل القضاء بين الخلائق ليصيروا إلى منازلهم؛ إمَّا نعيم وإما جحيم.

ومن عظم الله على عباده أن جعل الدعاء في ذلك اليوم عظيم المكانة، رفيع الشأن، يرفع الحاج إلى مولاه حوائجه ويسأله من كرمه المتوالي، فتقيد بشروطه، وتمسّك بآدابه، واحذر من الوقوع في شيء من موانع إجابته، وتحرّ الأوقات والأمكنة الفاضلة لقبوله، وتوجه إلي الله بقلبك امتثالا لأمره في قوله: فادعوا الله مخلصين له الدين {غافر:14}، وارفع له سؤالك، وناجه بكروبك، وأيقن بتحقيق الإجابة، وألحَّ على الكريم في الطلب، ولا تيأس من تأَخُّرِ العطاء، ففي التأخير رحمة وحكمة وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون {يس:82}.
ومع اقتراب موسم الحج فإننا نُذكِرُّ بأن نُسُكَ النحر عبادة محضة لله، يتقرب بها المسلمون لربهم من هدي أو أضحية، لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم {الحج:37}.
يقترب موسم الحج وفي وضع النواصي بين يدي ربها حلقًا أو تقصيرًا استسلام لهيمنة الله وخضوعٌ لعظمته تَذَلُّلٌ لعزّته، والذكر وسيلة لِحياة القلب، وتهذيب النفوس، وتزكية الفؤاد، وإقامةُ ذكر الله، والإكثار منه في المشاعر مقصد من مقاصد أداء تلك الشعيرة، وأرجى لقبولها وأصدق في إخلاص فعلها، قال تعالى: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات {الحج:28} وقال جل وعلا: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام {البقرة:198}، وقال جل جلاله: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا {البقرة:200}، وقال سبحانه: واذكروا الله في أيام معدودات {البقرة:203}، فصاحب ذكر الله في سائر حجِّك فمشاعر الحج شُرعت لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جُعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار ولإقامة ذكر الله". {سنن الترمذي وأبي داوود}.

إصلاح العقيدة أساس كل إصلاح


يقترب موسم الحج والمسلمون في أمس الحاجة لتبصر أحوالهم في هذا المنعطف الخطير من تأريخ أمتهم. وليعلموا أن ما لحق بهم من ذلٍ ومهانة، وما مسهم من لغوب واستكانة في كثير من المجتمعات إنما يعود إلى تمزقُّ عُراهم وتفرق قواهم، وما شعيرة الحج إلا دعوة للمسلمين إلى وجوب الوحدة والاتحاد وثنيٌ لهم عَمَّا مُنُوا به في هذه الحقبة المعاصرة من ضعف وتدابر، لقد آن الأوان أن تجعل أمة الإسلام من هذا الموسم فرصة لاجتماعها، ومناسبة لاتحادها بعدما فرقتها الفتنُ والأهواء وشتتتها المحن، والله عز وجل يقول: إنما المؤمنون إخوة {الحجرات:10}، ويقول سبحانه: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا {آل عمران:103}.
وصلاح العقيدة سبب لكل صلاح فتوحيد الله من أعظم المقاصد في الحج، والإذعان له من كل فج والتقرب له سبحانه، وما التلبية التي يدوي بها الحجيج وتهتزلها جنبات البلد الأمين، وتجلجل بها المشاعر المقدسة إلا عنوان التوحيد والإيمان، وشعار الطاعة والإذعان وقد وصف جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إهلال النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". {أخرجه مسلم}

إن الغيور على دينه من أهل الإسلام عمومًا، وقاصدي المسجد الحرام خصوصًا أن يكون مثلا عاليًا في إسلام الوجه لله، وإفراده بخالص التوحيد، وصدق العبوديّة، مع التمسُّك الوثيق بالسنّة والتزام منهج الإسلام الحق في الاعتدال والوسطية وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس {البقرة:143}، والتحلي بجميل الأخلاق والمزايا وكريم الشمائل والسجايا.
أمة الإسلام وأصحاب الهوى!!
الحج مشهد جليل مهيب من مشاهد هذه الأمة يجتمع فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، وإن الناظر في أحوال الحجيج يقف على صورة جليَّة تحكي واقع الأمة الإسلامية بحلوه ومرِّه، ولذلك فإن المنطلقات المهمة أن تستثمر الأمة هذه المناسبة العظيمة لإصلاح واقعها في جميع جوانبه، والمستقرئ لأحوالها يرجع بالأمس لما آل إليه أمرها في كثير من أوضاعها، حيث اندرست جملة من معالم الشريعة حينما كدّرتها شوائب الضلالة وأصحاب الهوى ممن على صوتهم، وخفت عملهم، وكثرت شعاراتهم الجوفاء، فانفرط عقد وحدتها، وتناثر سلسال رونقها، وتفرقت بها السُبل والآراء، وتجارت بها المحن والأهواء، وذرّ قرن الفتنة في كثير من مجتمعاتها، وتكلمت الرويبضة، واستنسَر خفافيش الظلام ممن في نفوسهم عَرض وفي قلوبهم هوى ومرض ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
فيا أمة الإسلام، يا حجاج بيت الله الحرام، يا جموع الطائفين بكعبة الله، القائمين حول بيته، الراكعين الساجدين في حرم الله، يا من أتيتم من كل فج عميق، واجتمعتم في هذا البيت العتيق، هذه قبلتكم قبلة واحدة، وهذه أمتكم أمّة واحدة، فبأي مسوِّغ شرعي تختلفون؟! وبأي مقتضى علميّ تتفرقون؟! وبأي موجب منطقيِّ تتنازعون، وأنتم أمام قبلتكم تجتمعون، وحيثما كنتم إليها تتوجّهون وشطرها تيممون؟! أما تعلمون وتوقنون أن في مخالفتكم ما أمرتم به من الاعتصام بحبل الله جميعًا ذهاب ريحكم، وضياع هيبتكم، وتسليط عدوكم عليكم؟! وقد قال صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف العظيم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي".
نناشدكم الله أن تكونوا في طليعة الأمة إلى إصلاح أحوالها، وفي الصدارة إلى استقامة أوضاعها إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم {الرعد:11}.
ولتستقبلوا أيامكم بصفحة ناصعة منعمة بجلائل الأعمال، ولتعلموا أن من أسباب صلاح الحال ورفع البلاء الإلحاح على الله بالدعاء.
إحذروا عدَّوكم الشيطان الذي يريد أن تكون حياتكم لهوًا ولعبًا وكسلا عن الطاعات، ويريد أن ينغمس الإنسان في اللذائذ المحرمَّات والشهوات، وأن يفرق في بحار الغفلة والموبقات، فاعتصموا بربكم واثبتوا على صراط الله المستقيم فإنه الطريق إلى جنَّات النعيم.
تقبل الله منا ومنكم الطاعات ورفع شأن الأمة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين!!

{{ أبوسعود }}
2005-12-26, 07:46 PM
جزاك الله خيرا اخى الحبيب طبيب وكتب الله اجرك

نديم الليل
2005-12-27, 12:07 AM
يعطيك العافية أخي طبيب 111

وبارك الله فيك

Too O ooT
2005-12-29, 06:05 AM
جزاك الله خير طرحك فيه عبر وفوائد قيمة

كتب الله لك الاجر والمثوبة

"""