Too O ooT
2005-12-29, 07:14 AM
أمريكا خسرت الرهان في محاكمة صدام
________________________________________
بقلم عامر عبد المنعم
مفكرة الإسلام :
فشلت إدارة الاحتلال الأمريكي في إدانة الرئيس العراقي صدام حسين و سبعة من أعوانه أمام الرأي العام الذي تابع جلسات المحكمة الصورية . و انقلب السحر علي الساحر و استطاع صدام أن يكسب الجولة إعلاميا.
رغم دبلجة الجلسات قبل إذاعتها و قطع صوت صدام و مساعديه مرارا حتي لا يسمع لهم أحد ، و رغم كل الإجراءات و الاحتياطات فقد عجز مديروعملية المحاكمة عن حبك التمثيلية و إظهار الرئيس الأسير كمجرم حرب .
و لم تكن جلسات المحاكمة سوي منافسة بين منطقين . منطق الغازي المحتل مصاص الدماء الذي يريد أن يظهر كمحرر و بين الأسير المقاوم الرافض للاستسلام و المصر علي الصمود حتي و لو كانت نهايته الإعدام . و من هنا فلم تفلح كل الحيل الأمريكية و لم تحقق الملايين المرصودة للمحكمة في تبييض وجه المحتل و تبرئة ساحته بإظهار صدام كطاغية و سفاح !!
فقضية الدجيل لا توجد بها إدانة موثقة لصدام ، و هي قضية ساقطة و لا توجد اتهامات مباشرة موجهة له ، بل إن الضحية فيها هو صدام نفسه إذ تعرض لمحاولة اغتيال و كاد أن يموت .
منذ البداية كانت إحالة صدام للمحاكمة بداية مرتبكة ، فقد أخطأت إدارة بريمر في التصرف في الأمر بالمخالفة للقانون الدولي . فصدام و من معه أسري حرب و بالتالي لا يجوز تسليمه لخصومه السياسيين ليحاكموه و ينتقموا منه وفق أهوائهم و ليس قوانين عادلة مستقرة .
فلم يقدم صدام للمحاكمة في قضية كبري من تلك القضايا التي يثار حولها الجدل مثل غزو الكويت و حلبجة . و ربما ذلك لأنه سيجر أطرافا دولية لا يريد الأمريكيون إدخالها في المعترك العراقي . فغزو الكويت سيدخل أطرافا عربية و دولية ساندت و دعمت صدام , و قضية حلبجة ربما تجر ايران و أمريكا أيضا إذ سرب الأمريكيون وثائق تدين إيران في الموضوع و ليس صدام علاوة علي أن أسماء أمريكية معروفة في إدارة بوش كانت علي علاقة بهذا الملف أيضا .
و من خلال متابعة جلسات المحاكمة يمكن رصد بعض الملاحظات :
أولا : المحكمة :
يبدو أن الدورات المكثفة و البروفات التي حضرها القضاة العراقيون الذين يحاكمون صدام حسين و سبعة من اعوانه فشلت في تحسين أداء المحكمة الصورية . فلم يستفد القاضي الكردي رزكار محمد أمين و هيئة محكمته المختصة بالنظر في قضية الدجيل من التدريبات التي تمت في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا واستراليا، حيث شارك القضاة في دورات خاصة شملت إقامة محاكمة وهمية في لندن . و من المعروف أن امريكا رصدت الـ 25 مليون دولار للإنفاق علي المحاكمة .
فقد ظهر القاضي رزكار ضعيفا و مرتبكا طوال جلسات المحكمة ، و لم تسعفه البديهة في الرد علي تعليقات صدام حسين . فرأيناه منذ بداية المحكمة غير قادر علي مجابهة من يحاكمهم و كأن الموضوع أكبر منه . و حدث أن وبخه صدام أكثر من مرة و احتد عليه و كأنه يلقنه دروسا في القانون والوطنية . و عندما حاول رزكار التغلب علي الانتقادات التي وجهت له بسبب ضعفه تعمد فرض هيبته بدون حكمة فكانت إدارته أكثر سوءا و منع الدفاع من حقه في إبداء رأيه و حاول منع المتهمين من التعقيب علي ادعاءات الشهود فكشف عن انحيازه المطلق و تصرف بـ' غشم ' ففضح المحكمة .
و يبدو أن اللعنة تطارد كل من يتولي رئاسة محكمة صدام . و هنا نتذكر سالم الجلبي أبن شقيق الحرامي أحمد الجلبي الذي عينه الاحتلال رئيسا للمحكمة في البداية و ثبت فيما بعد أنه لص خارج علي القانون بالإضافة لكونه شريكا لرجل أعمال اسرائيلي.. و تم مطاردة الجلبي فيما بعد كمجرم و لازال ملاحقا.
إذا تركنا الجلبي نجد أن شكوكا تطارد القاضي رزكار حول موت الشاهد الأول في القضية وضاح الشيخ ، فهو الوحيد الذي تم تسجيل شهادته علي شريط فيديو ، الأمر الذي يشير الي أن المحكمة كانت تدري مسبقا أن روحه ستزهق فقررت مقابلته و تسجيل شهادته سرا !! و الذي يزيد الشكوك حول قتله ان التسجيل يظهره بحالة جيدة و يتحدث و هو معافي بغض النظر عن وجود سلك في أصبعه [لا ندري أهميته طبيا ] و جلوسه علي كرسي متحرك . و المعلومات كانت تشير إلي أن وضاح الشيخ لكونه متهما كان سيشهد لصالح صدام و ليس العكس و من هنا تبرز الشكوك حول إخفائه و الخلاص منه !!
و من سير الجلسات بدا أن هناك إدارة للمحكمة خارج القاعة توجه رزكار من خلال عضو اليمين [غير معروف اسمه حتي الآن ] من خلال شبكة كمبيوتر داخلية حيث يتلقي القاضي التعليمات من مساعده المجهول عندما تتوتر الجلسة و يتوه رئيس المحكمة . و قد ظهر هذا جليا أكثر من مرة كلما احتدم الجدل ، لكن أبرز هذه المواقف عندما انسحب الدفاع احتجاجا علي عدم تمكينه من الحديث و تحمس زركار و أمر بفتح الباب لخروجهم و قرر تعيين محامين للدفاع عن المتهمين بدلا منهم و لكنه بعد أن تلقي تعليمات بالتراجع انقلب علي موقفه و اضطر لقبول عودة الدفاع و تمكينه من الحديث .
هذه الإدارة الأمريكية للمحكمة فرضت العديد من الإجراءات لتحجيم تأثير صدام . فالبث كان يتم متأخرا بنحو نصف الساعة أي يتم إذاعة تسجيل للمحكمة و ليس بثا مباشرا و هذا لـ 'فلترة ' الجلسة . و قد فضح الادعاء من يديرون الجلسة عندما طلب من القاضي قطع الصوت بينما أنكر القاضي عند مواجهته من صدام بأنه وراء ذلك ثم عاد و قال إن هناك من بإدارة المحكمة يقوم بذلك !!
ثانيا : الشهود
القائمون علي إدارة المحاكمة فشلوا في تشويه 'المتهمين ' فالشهود لم يقنعوا الرأي العام بأقوالهم ، و لم يثيروا عواطف الناس ، و لم يؤثروا في مشاعر المشاهدين . فمعظمهم من عائلة واحدة يقال أنها تركت الدجيل ، و شهاداتهم منسقة و بدت ملقنة لهم
، و لم يقولوا أنهم عذبوا. معظم اقوالهم نقلا عن آخرين ، و متضاربة في بعض الأحيان .
و رغم أنهم رووا وقائع يحفظونها منذ ربع قرن فقد فشلوا في تذكر الكثير من الاشياء البديهية التي سألهم عنها الدفاع أو ' المتهمون ' .
و قد كان واضحا ان هناك من حفظهم ما قالوه اذ كان احدهم يذكر عشرات الأسماء بتواريخ الميلاد !!
حتي الشاهدات اللاتي أتوا بهن ليدلين بأقوالهن تم ذلك من وراء ستار و تغيير أصواتهن بطريقة تثير الضحك و ليس البكاء . خلافا لبعض الأقوال عن الرؤى و المنامات و 'عزل الرجال عن النساء لقطع الذرية ' و أخري تحدثت عن 'القمل الذي يملأ الحوائط و لم يسمح لهن بالخروج الي الشمس لتنظيف رؤسهن ' . مع تأكيدنا علي رفض احتجاز النساء تحت أي مبرر .
بل أن الشهود لم يوجهوا اتهاما محددا لـ'المتهمين ' إلا بعد تلقين القاضي لهم . و بعضهم أدلي بشهادات مختلفة تماما عن إفاداتهم لقاضي التحقيق الموالي للاحتلال .
ثالثا : صدام و زملائه
محاكمة صدام كانت عبارة عن صراع إرادات ، لكسب الرأي العام . فالاحتلال و الحكومة الطائفية الموالية له يريدون إدانة صدام و إعدامه بأقصى سرعة و لكن لابد من الحبكة و إخراج التمثيلية . و في المقابل كانت المحاكمة هي الطريق الوحيد ليقول صدام بعض ما عنده و ليهزم خصومه و يثبت أنه لازال صامدا و أنه هو الرئيس الشرعي للعراق .
و من هنا فقد شاهد العالم هذا التنافس لكسب قلوب و عقول المشاهدين . و مع إن الاحتلال و معاونيه لهم إدارة العملية كاملة فان صدام نجح في إفشال السيناريو الأمريكي لإظهاره في صورة السفاح الطاغية الذي قتل شعبة بكل قسوة .
لم يكن مستغربا انتصار منطق صدام علي ادعاء الحكومة الموالية للمحتل . إذ استطاع صدام تمرير العديد من الرسائل و الهيمنة علي الجلسات رغم الفترات القصيرة التي كان ينتزعها من القاضي للكلام وسط مقاطعات متلاحقة لمنعه من الاسترسال.
فقد استغل صدام المحاكمة فكشف عن معاناته و عن حرمانه من حقوقه فقد صرح أنه محبوس في سرداب تحت الأرض ، و ان القوات الأمريكية التي تشرف علي حبسه تجرده من الأوراق و الأقلام حتي لا يستعد للمحكمة و يعتمد علي ذاكرته في ملاحقة ما يدور و قد اضطر أن يكتب علي يديه بعض الملاحظات داخل القاعة في إشارة معبرة عن التضييق الذي يعانيه .. و أنهم يضعون الكلابشات في يديه لاهانته ثم فجر فضيحة تعذيبه و قال أن الأمريكيين عذبوه و ضربوه و أن الإصابات باقية في كل أنحاء جسده .
و علي مدار الجلسات كان صدام حريصا علي إظهار صموده و اعتزازه بنفسه . و لم تخل كلماته من معاني تدعو العراقيين لمقاومة الاحتلال و عدم الاستسلام . و كان صدام حريصا علي حمل المصحف و افتتاح كلماته بآيات من القرآن الكريم ، للتأكيد علي تمسكه بإسلامه ، و لقن القاضي درسا في احترام الإسلام حين طالبه بوقف الجلسات لأداء الصلاة ووبخه عندما رفض القاضي رفع الجلسة .
و كان قمة الهجوم علي بوش عندما أكد صدام كذب الإدارة الأمريكية عندما نفوا تعذيبه و قال انهم كذابون و اعترفوا بكذبهم بعدم وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق .
لكن المفاجأة في هذه المحكمة خروج برزان التكريتي المتهم الأساسي في هذه القضية عن صمته ، و بعد الجدل الذي أثير حول رسالته التي يلتمس فيها إطلاق سراحه لمرضه . فقد استطاع برزان أن يفند إفادات الشهود و يثبت تضارب أقوالهم ، و يتحداهم في بعض الأحيان . و قد استطاع برزان فعلا أن يسيطر علي بعض الجلسات و يحرج خصومه .
رابعًا : هيئة الدفاع
كانت لمشاركة وزير العدل الأمريكي الأسبق الشهير رامزي كلارك للدفاع عن صدام دلالة خاصة ، بالإضافة إلي مشاركة نجيب النعيمي وزير العدل القطري السابق . فقد كانت مهمة الدفاع شاقة ، اذ شارك هذا الفريق برئاسة المحامي خليل الدليمي وسط تهديدات جدية إذ قتل منتسبون للحكومة الطائفية اثنان من المحامين دافعا عن صدام . و أرسلت تهديدات للباقين .
و قد منع الدفاع من ممارسة حقه منذ البداية بشكل مجحف من رئيس المحكمة . و لم يمكن القاضي رامزي كلارك من الحديث و لم يستطع ان يقول ما يريد ، إلا أن كلمة حكيمة أكد عليها إن العراق في حاجة إلي مصالحة لا محاكمة تزيد من الضغائن و الكراهية .و لم يتعامل القاضي بأدب مع الرجل الذي جاء من أمريكا متحملا المخاطر و منعه من الكلام بحجة أن اللغة العربية هي المسموح بها فقط !!
يمكن القول أن المحاكمة لا تخرج عن كونها سيناريو أمريكي فاشل ، و بدلا من إدانة صدام و أركان حكمه و إظهاره كطاغية أسقطته عملية الغزو ، إذا بالمحاكمة تتحول إلي محاكمة للاحتلال و أذياله . وتفضح أزمة الوجود الأمريكي في العراق . فالمتهمين أسري حرب لدي قوات الاحتلال ، و حسب القوانين الدولية يجب أن يعاملوا كأسري حرب و ليس تصفيتهم من خلال محكمة صورية يديرها الاحتلال و الموالين له .
و الغريب إن ما يثار في المحاكمة لا يقارن بالفظائع التي ارتكبتها و لازالت ترتكبها الحكومة الطائفية و القوات الأمريكية ضد المواطنين العراقيين السنة . فأين العدالة من القتل الجماعي بالصواريخ و المدافع و الطائرات و قذائف الفسفور الأبيض ؟و أين العدالة من تعذيب الأبرياء رجالا و نساء بوسائل رهيبة تتم بأيدي الشرطة العراقية المحمية من القوات الأمريكية ؟. و ما سجن الجادرية إلا مثال واحد علي جرائم هؤلاء القتلة الذين يحكمون العراق الآن و حولوا البلاد إلي سلخانة للبشر تنتهك فيها الآدمية و تذبح فيها الإنسانية.
أين العدالة من هؤلاء المجرمين الذين يثقبون أجساد المعتقلين بالدريل ثم يلقون بهم في الطرقات؟
أين العدالة من هؤلاء الذين يدمرون العراق ثم يدعون أنهم مصلحون
________________________________________
بقلم عامر عبد المنعم
مفكرة الإسلام :
فشلت إدارة الاحتلال الأمريكي في إدانة الرئيس العراقي صدام حسين و سبعة من أعوانه أمام الرأي العام الذي تابع جلسات المحكمة الصورية . و انقلب السحر علي الساحر و استطاع صدام أن يكسب الجولة إعلاميا.
رغم دبلجة الجلسات قبل إذاعتها و قطع صوت صدام و مساعديه مرارا حتي لا يسمع لهم أحد ، و رغم كل الإجراءات و الاحتياطات فقد عجز مديروعملية المحاكمة عن حبك التمثيلية و إظهار الرئيس الأسير كمجرم حرب .
و لم تكن جلسات المحاكمة سوي منافسة بين منطقين . منطق الغازي المحتل مصاص الدماء الذي يريد أن يظهر كمحرر و بين الأسير المقاوم الرافض للاستسلام و المصر علي الصمود حتي و لو كانت نهايته الإعدام . و من هنا فلم تفلح كل الحيل الأمريكية و لم تحقق الملايين المرصودة للمحكمة في تبييض وجه المحتل و تبرئة ساحته بإظهار صدام كطاغية و سفاح !!
فقضية الدجيل لا توجد بها إدانة موثقة لصدام ، و هي قضية ساقطة و لا توجد اتهامات مباشرة موجهة له ، بل إن الضحية فيها هو صدام نفسه إذ تعرض لمحاولة اغتيال و كاد أن يموت .
منذ البداية كانت إحالة صدام للمحاكمة بداية مرتبكة ، فقد أخطأت إدارة بريمر في التصرف في الأمر بالمخالفة للقانون الدولي . فصدام و من معه أسري حرب و بالتالي لا يجوز تسليمه لخصومه السياسيين ليحاكموه و ينتقموا منه وفق أهوائهم و ليس قوانين عادلة مستقرة .
فلم يقدم صدام للمحاكمة في قضية كبري من تلك القضايا التي يثار حولها الجدل مثل غزو الكويت و حلبجة . و ربما ذلك لأنه سيجر أطرافا دولية لا يريد الأمريكيون إدخالها في المعترك العراقي . فغزو الكويت سيدخل أطرافا عربية و دولية ساندت و دعمت صدام , و قضية حلبجة ربما تجر ايران و أمريكا أيضا إذ سرب الأمريكيون وثائق تدين إيران في الموضوع و ليس صدام علاوة علي أن أسماء أمريكية معروفة في إدارة بوش كانت علي علاقة بهذا الملف أيضا .
و من خلال متابعة جلسات المحاكمة يمكن رصد بعض الملاحظات :
أولا : المحكمة :
يبدو أن الدورات المكثفة و البروفات التي حضرها القضاة العراقيون الذين يحاكمون صدام حسين و سبعة من اعوانه فشلت في تحسين أداء المحكمة الصورية . فلم يستفد القاضي الكردي رزكار محمد أمين و هيئة محكمته المختصة بالنظر في قضية الدجيل من التدريبات التي تمت في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا واستراليا، حيث شارك القضاة في دورات خاصة شملت إقامة محاكمة وهمية في لندن . و من المعروف أن امريكا رصدت الـ 25 مليون دولار للإنفاق علي المحاكمة .
فقد ظهر القاضي رزكار ضعيفا و مرتبكا طوال جلسات المحكمة ، و لم تسعفه البديهة في الرد علي تعليقات صدام حسين . فرأيناه منذ بداية المحكمة غير قادر علي مجابهة من يحاكمهم و كأن الموضوع أكبر منه . و حدث أن وبخه صدام أكثر من مرة و احتد عليه و كأنه يلقنه دروسا في القانون والوطنية . و عندما حاول رزكار التغلب علي الانتقادات التي وجهت له بسبب ضعفه تعمد فرض هيبته بدون حكمة فكانت إدارته أكثر سوءا و منع الدفاع من حقه في إبداء رأيه و حاول منع المتهمين من التعقيب علي ادعاءات الشهود فكشف عن انحيازه المطلق و تصرف بـ' غشم ' ففضح المحكمة .
و يبدو أن اللعنة تطارد كل من يتولي رئاسة محكمة صدام . و هنا نتذكر سالم الجلبي أبن شقيق الحرامي أحمد الجلبي الذي عينه الاحتلال رئيسا للمحكمة في البداية و ثبت فيما بعد أنه لص خارج علي القانون بالإضافة لكونه شريكا لرجل أعمال اسرائيلي.. و تم مطاردة الجلبي فيما بعد كمجرم و لازال ملاحقا.
إذا تركنا الجلبي نجد أن شكوكا تطارد القاضي رزكار حول موت الشاهد الأول في القضية وضاح الشيخ ، فهو الوحيد الذي تم تسجيل شهادته علي شريط فيديو ، الأمر الذي يشير الي أن المحكمة كانت تدري مسبقا أن روحه ستزهق فقررت مقابلته و تسجيل شهادته سرا !! و الذي يزيد الشكوك حول قتله ان التسجيل يظهره بحالة جيدة و يتحدث و هو معافي بغض النظر عن وجود سلك في أصبعه [لا ندري أهميته طبيا ] و جلوسه علي كرسي متحرك . و المعلومات كانت تشير إلي أن وضاح الشيخ لكونه متهما كان سيشهد لصالح صدام و ليس العكس و من هنا تبرز الشكوك حول إخفائه و الخلاص منه !!
و من سير الجلسات بدا أن هناك إدارة للمحكمة خارج القاعة توجه رزكار من خلال عضو اليمين [غير معروف اسمه حتي الآن ] من خلال شبكة كمبيوتر داخلية حيث يتلقي القاضي التعليمات من مساعده المجهول عندما تتوتر الجلسة و يتوه رئيس المحكمة . و قد ظهر هذا جليا أكثر من مرة كلما احتدم الجدل ، لكن أبرز هذه المواقف عندما انسحب الدفاع احتجاجا علي عدم تمكينه من الحديث و تحمس زركار و أمر بفتح الباب لخروجهم و قرر تعيين محامين للدفاع عن المتهمين بدلا منهم و لكنه بعد أن تلقي تعليمات بالتراجع انقلب علي موقفه و اضطر لقبول عودة الدفاع و تمكينه من الحديث .
هذه الإدارة الأمريكية للمحكمة فرضت العديد من الإجراءات لتحجيم تأثير صدام . فالبث كان يتم متأخرا بنحو نصف الساعة أي يتم إذاعة تسجيل للمحكمة و ليس بثا مباشرا و هذا لـ 'فلترة ' الجلسة . و قد فضح الادعاء من يديرون الجلسة عندما طلب من القاضي قطع الصوت بينما أنكر القاضي عند مواجهته من صدام بأنه وراء ذلك ثم عاد و قال إن هناك من بإدارة المحكمة يقوم بذلك !!
ثانيا : الشهود
القائمون علي إدارة المحاكمة فشلوا في تشويه 'المتهمين ' فالشهود لم يقنعوا الرأي العام بأقوالهم ، و لم يثيروا عواطف الناس ، و لم يؤثروا في مشاعر المشاهدين . فمعظمهم من عائلة واحدة يقال أنها تركت الدجيل ، و شهاداتهم منسقة و بدت ملقنة لهم
، و لم يقولوا أنهم عذبوا. معظم اقوالهم نقلا عن آخرين ، و متضاربة في بعض الأحيان .
و رغم أنهم رووا وقائع يحفظونها منذ ربع قرن فقد فشلوا في تذكر الكثير من الاشياء البديهية التي سألهم عنها الدفاع أو ' المتهمون ' .
و قد كان واضحا ان هناك من حفظهم ما قالوه اذ كان احدهم يذكر عشرات الأسماء بتواريخ الميلاد !!
حتي الشاهدات اللاتي أتوا بهن ليدلين بأقوالهن تم ذلك من وراء ستار و تغيير أصواتهن بطريقة تثير الضحك و ليس البكاء . خلافا لبعض الأقوال عن الرؤى و المنامات و 'عزل الرجال عن النساء لقطع الذرية ' و أخري تحدثت عن 'القمل الذي يملأ الحوائط و لم يسمح لهن بالخروج الي الشمس لتنظيف رؤسهن ' . مع تأكيدنا علي رفض احتجاز النساء تحت أي مبرر .
بل أن الشهود لم يوجهوا اتهاما محددا لـ'المتهمين ' إلا بعد تلقين القاضي لهم . و بعضهم أدلي بشهادات مختلفة تماما عن إفاداتهم لقاضي التحقيق الموالي للاحتلال .
ثالثا : صدام و زملائه
محاكمة صدام كانت عبارة عن صراع إرادات ، لكسب الرأي العام . فالاحتلال و الحكومة الطائفية الموالية له يريدون إدانة صدام و إعدامه بأقصى سرعة و لكن لابد من الحبكة و إخراج التمثيلية . و في المقابل كانت المحاكمة هي الطريق الوحيد ليقول صدام بعض ما عنده و ليهزم خصومه و يثبت أنه لازال صامدا و أنه هو الرئيس الشرعي للعراق .
و من هنا فقد شاهد العالم هذا التنافس لكسب قلوب و عقول المشاهدين . و مع إن الاحتلال و معاونيه لهم إدارة العملية كاملة فان صدام نجح في إفشال السيناريو الأمريكي لإظهاره في صورة السفاح الطاغية الذي قتل شعبة بكل قسوة .
لم يكن مستغربا انتصار منطق صدام علي ادعاء الحكومة الموالية للمحتل . إذ استطاع صدام تمرير العديد من الرسائل و الهيمنة علي الجلسات رغم الفترات القصيرة التي كان ينتزعها من القاضي للكلام وسط مقاطعات متلاحقة لمنعه من الاسترسال.
فقد استغل صدام المحاكمة فكشف عن معاناته و عن حرمانه من حقوقه فقد صرح أنه محبوس في سرداب تحت الأرض ، و ان القوات الأمريكية التي تشرف علي حبسه تجرده من الأوراق و الأقلام حتي لا يستعد للمحكمة و يعتمد علي ذاكرته في ملاحقة ما يدور و قد اضطر أن يكتب علي يديه بعض الملاحظات داخل القاعة في إشارة معبرة عن التضييق الذي يعانيه .. و أنهم يضعون الكلابشات في يديه لاهانته ثم فجر فضيحة تعذيبه و قال أن الأمريكيين عذبوه و ضربوه و أن الإصابات باقية في كل أنحاء جسده .
و علي مدار الجلسات كان صدام حريصا علي إظهار صموده و اعتزازه بنفسه . و لم تخل كلماته من معاني تدعو العراقيين لمقاومة الاحتلال و عدم الاستسلام . و كان صدام حريصا علي حمل المصحف و افتتاح كلماته بآيات من القرآن الكريم ، للتأكيد علي تمسكه بإسلامه ، و لقن القاضي درسا في احترام الإسلام حين طالبه بوقف الجلسات لأداء الصلاة ووبخه عندما رفض القاضي رفع الجلسة .
و كان قمة الهجوم علي بوش عندما أكد صدام كذب الإدارة الأمريكية عندما نفوا تعذيبه و قال انهم كذابون و اعترفوا بكذبهم بعدم وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق .
لكن المفاجأة في هذه المحكمة خروج برزان التكريتي المتهم الأساسي في هذه القضية عن صمته ، و بعد الجدل الذي أثير حول رسالته التي يلتمس فيها إطلاق سراحه لمرضه . فقد استطاع برزان أن يفند إفادات الشهود و يثبت تضارب أقوالهم ، و يتحداهم في بعض الأحيان . و قد استطاع برزان فعلا أن يسيطر علي بعض الجلسات و يحرج خصومه .
رابعًا : هيئة الدفاع
كانت لمشاركة وزير العدل الأمريكي الأسبق الشهير رامزي كلارك للدفاع عن صدام دلالة خاصة ، بالإضافة إلي مشاركة نجيب النعيمي وزير العدل القطري السابق . فقد كانت مهمة الدفاع شاقة ، اذ شارك هذا الفريق برئاسة المحامي خليل الدليمي وسط تهديدات جدية إذ قتل منتسبون للحكومة الطائفية اثنان من المحامين دافعا عن صدام . و أرسلت تهديدات للباقين .
و قد منع الدفاع من ممارسة حقه منذ البداية بشكل مجحف من رئيس المحكمة . و لم يمكن القاضي رامزي كلارك من الحديث و لم يستطع ان يقول ما يريد ، إلا أن كلمة حكيمة أكد عليها إن العراق في حاجة إلي مصالحة لا محاكمة تزيد من الضغائن و الكراهية .و لم يتعامل القاضي بأدب مع الرجل الذي جاء من أمريكا متحملا المخاطر و منعه من الكلام بحجة أن اللغة العربية هي المسموح بها فقط !!
يمكن القول أن المحاكمة لا تخرج عن كونها سيناريو أمريكي فاشل ، و بدلا من إدانة صدام و أركان حكمه و إظهاره كطاغية أسقطته عملية الغزو ، إذا بالمحاكمة تتحول إلي محاكمة للاحتلال و أذياله . وتفضح أزمة الوجود الأمريكي في العراق . فالمتهمين أسري حرب لدي قوات الاحتلال ، و حسب القوانين الدولية يجب أن يعاملوا كأسري حرب و ليس تصفيتهم من خلال محكمة صورية يديرها الاحتلال و الموالين له .
و الغريب إن ما يثار في المحاكمة لا يقارن بالفظائع التي ارتكبتها و لازالت ترتكبها الحكومة الطائفية و القوات الأمريكية ضد المواطنين العراقيين السنة . فأين العدالة من القتل الجماعي بالصواريخ و المدافع و الطائرات و قذائف الفسفور الأبيض ؟و أين العدالة من تعذيب الأبرياء رجالا و نساء بوسائل رهيبة تتم بأيدي الشرطة العراقية المحمية من القوات الأمريكية ؟. و ما سجن الجادرية إلا مثال واحد علي جرائم هؤلاء القتلة الذين يحكمون العراق الآن و حولوا البلاد إلي سلخانة للبشر تنتهك فيها الآدمية و تذبح فيها الإنسانية.
أين العدالة من هؤلاء المجرمين الذين يثقبون أجساد المعتقلين بالدريل ثم يلقون بهم في الطرقات؟
أين العدالة من هؤلاء الذين يدمرون العراق ثم يدعون أنهم مصلحون